6 ـ أقسامها

6 ـ أقسامها
تختلف التّوبة باختلاف الذّنب، لأنّه إمّا يكون في حق اللّه تعالى، أو في حق آدميّ.
أمّا الأوّل:
فإمّا أن يكون من فعل قبيح ارتكبه كشرب الخمر، أو يكون من إخلاله بواجب من الواجبات كالصّلاة اليومية، وصلاة العيد.
ففي الحالة الأولى: يكفي أن يندم من فعله ذاك عازماً على عدم ارتكابه في المستقبل على ما تقدّم في تعريف التّوبة.
وفي الحالة الثّانية: إن كان وقت الواجب الّذي أخلّ به باقياً، فتوبته أن يأتي به في الوقت فوراً.
وإن كان قد خرج وقته فلا يخلو:
إمّا أن يكون من الواجبات الّتي تسقط بخروج أوقاتها المعينة لها كصلاة العيد، فيكفي أن يندم على إخلاله بهذا الواجب عازماً على عدم المعاودة، كما تقدّم.
وإمّا أن يكون ممّا لا يسقط بذلك كالصّلاة اليومية، فيجب قضاؤه.
وأمّا الثّانى فلا يخلو:
إمّا أن يكون إضلالاً له في دين وعقيدة، وإمّا أن يكون ظلماً له في حقّ من حقوقه، وإمّا أن يكون غيبةً.
أمّا في الحالة الأولى: فيجب عليه إرشاده،و إرجاعه عن العقيدة الباطلة الّتى إعتقدها بسببه... وهذا توبته.
وأمّا في الحالة الثّانية: فإنّه يجب عليه إيصال حقّه إليه أو إلى ورثته إن مات أو الاستحلال منه أو منهم، وإن لم يتمكن من ذلك وتعذّر عليه فيجب العزم على ذلك.
وكذا إن كان حدّ قذف، وإن كان قصاصاً وجب الخروج إليه أو إلى ورثته منه بأن يسلّم نفسه إلى أولياء المقتول، فإمّا أن يقتلوه أو يعفوا عنه بالدّية أو بدونها، وإن كان في بعض الأعضاء وجب تسليم نفسه ليقتصّ منه في ذلك العضو إلى المستحقّ من المجنى عليه أو ورثته.
وأمّا في الحالة الثّالثة: فالواجب عليه أن يندم ويتوب إلى اللّه تعالى ويتأسّف على ما فعله ليخرج من حقّه، ثمّ أن يستحلّ المغتاب عنه ليخرج عن مظلمته. هذا إن بلغه اغتيابه وإلاّ فلا يجب الإعتذار عند المحقق الطّوسي والعلاّمة رحمهما اللّه.
وقد ذكر الشّيخ الشّهيد الثّاني رحمه اللّه كيفية الإعتذار، وتفاصيله في كشف الرّيبة في أحكام الغيبة(1).
هذا، وقال العلاّمة والشّيخ البهائي رحمهما اللّه: إنّ هذه التّوابع ليست بأجزاء من التّوبة الواجبة عليه، فإنّ العقاب سقط بالتّوبة، ثمّ إن قام المكلّف بالتّبعات وامتثل ما أمر به فيها، كان ذلك إتماماً للتّوبة من جهة المعنى، لأنّ ترك التّبعات لا يمنع من سقوط العقاب للتّوبة عمّا تاب منه، بل يسقط العقاب المتوعّد به، ويكون ترك القيام بالتّبعات المذكورة بمنزلة ذنوب مستأنفة يلزمه التّوبة منها(2).
قال العلاّمة رحمه اللّه: نعم التّائب إذا فعل التّبعات بعد إظهار توبته كان ذلك دلالة على صدق النّدم، وإن لم يقم بها أمكن حمله دلالة على عدم صحة النّدم(3).
وأشارا رحمهما اللّه بهذا إلى خلاف المعتزلة، حيث أنّهم ذهبوا إلى أنّ ردّ المظالم وحقوق الآدميين والقيام بالتّبعات شرط في صحّة التّوبة، فقالوا: إنّه لا تصحّ التّوبة عن مظلمة دون الخروج عنها، ولا عن حقّ إلاّ بعد أدائه وارجاعه إلى صاحبه إن كان حياً موجوداً، وإلى ورثته إن كان قد مات، وعلى أيّ حال، فإنّ التّوابع المذكورة عندهم أجزأ من التّوبة... .
ثمّ الذّنوب:
هل تنقسم إلى كبائر وصغائر، أو أنّها غير منقسمة إلى هذا التّقسيم وأنّ الذّنوب جميعها كبائر؟!
إختلف أصحابنا في ذلك، فذهب الأكثر إلى الأوّل، إستناداً إلى الآيات الكريمة من القرآن العظيم:
منها قوله سبحانه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَريمًا)(4).
والأخبار الكثيرة المصرّحة بانقسام الذّنوب إلى صغائر وكبائر، حتّى أنّ طائفة من الأخبار جاءت لتعيين الكبائر ومقدارها وأنواعها(5).
ولذلك فإنّهم اختلفوا في عددها لاختلاف الرّوايات الواردة في ذلك.
ثمّ اختلفوا أيضاً في معنى الكبيرة كذلك على أقوال:
فقيل: كلّ ذنب توعّد اللّه عليه بالعقاب في القرآن الكريم.
وقيل: كلّ ذنب رتّب عليه الشّارع حدّاً،أو صرّح فيه بالوعيد.
وقيل: كلّ ذنب يؤذن بقلّة إكتراث فاعله بالدّين.
وقيل: كلّ ذنب علم حرمته بدليل قاطع.
وقيل: كلّ ذنب توعّد عليه توعّداً شديداً في الكتاب والسّنة(6).
وذهب جماعة من أكابر الطّائفة منهم الشّيخ المفيد والشيخ الطّبرسيّ رحمهما اللّه تبارك وتعالى إلى الثّاني، فقالوا: إنّ الذّنوب كلّها كبائر، لأنّ كلّ ما نهى اللّه تعالى عنه فهو معصية كبيرة... فالذّنوب كلّها مشتركة في كونها قبيحة، لكن بعضها أكبر من بعض كالزّنا بالنّسبة إلى تقبيل الأجنبية و لمسها، ولمسها بالنّسبة إلى النّظر إليها... وهكذا(7).
وقد نسب الشّيخ الطّبرسيّ رحمه اللّه هذا القول إلى عامّة الأصحاب...(8).
وعلى القول بانقسام الذّنوب إلى صغائر وكبائر، فهل التّوبة واجبة من كلّ ذنب مطلقاً، أو مختصّة بالكبائر، والصّغائر مكفّرة إن اجتنب من الكبائر؟!
ذهب جماعة إلى الأوّل، فقالوا: إنّه لا فرق في وجوب التّوبة بين الكبائر والصّغائر، فإنّ الآيات والرّوايات الآمرة بالتّوبة عامّة، ولإنّ ترك التّوبة من المعصية مطلقاً قبيح، ولأنّ التّوبة عن القبيح إنّما تجب لكونه قبيحاً، وهو عامّ.
وذهب جماعة ـ منهم الشّيخ البهائي والشّيخ المجلسي رحمهما اللّه(9) ـ وجماعة من المعتزلة إلى أنّ اجتناب الكبائر يكفّر الصّغائر بظاهر الآية الكريمة وغيرها من الآيات والرّوايات، وحينئذ، فإنّ الصّغائر لا تحتاج إلى توبة.
واتّفقوا على أنّ الإصرار على الصّغيرة يلحقها بالكبيرة، فهي غير مكفّرة على هذا و بذلك تسقط العدالة.
واختلفوا في معنى الإصرار على أقوال:
الأوّل: الإكثار من فعلها سواء كانت متّحدة من حيث النّوع، أو مختلفة.
الثّاني: الإكثار من فعل النّوع الواحد.
الثّالث: الإكثار من فعلها مطلقاً، بحيث يكون ارتكابها أكثر من اجتنابها.
وقد ذكر هذه الأقوال الشّيخ المجلسي رحمه اللّه. وأشار إليها السّيد المحدّث الجزائرى.
وجاء في المحجّة البيضاء وجامع السّعادات والأنوار النّعمانية وغيرها ما هذا ملخّصه بتصرّف:
إنّ الصّغيرة قد تكبر بأسباب:
أحدها: الإصرار والمواظبة،ولذلك قال الصّادق عليه السّلام: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الإستغفار(10).
وثانيها: إستصغار الذّنب، وعدم استعظامه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: «إتّقوا المحقّرات من الذّنوب فإنّها لا تغفر...»(11).
وقال أمير المؤمنين عليه السّلام: «أشدّ الذّنوب ما استخفّ به صاحبه»(12).
وثالثها: أن يأتي بالصّغائر، ولا يبالي بفعلها، إغتراراً بحلم اللّه وستره.
ورابعها: السّرور بالصّغيرة، ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «سيئة تسؤك خير من حسنة تعجبك»(13).
وخامسها: أن يذنب ويظهر ذنبه بأن يذكره بعد إتيانه، أو يأتي به في مشهد غيره.
وسادسها: أن يكون الآتي بالصّغيرة عالماً يقتدي به النّاس.(14)
ولقد ورد في القرآن الكريم الأمر بالتّوبة النّصوح، وذلك حيث قال سبحانه وتعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا)(15)، وقد ذكر علماء التّفسير والأخلاق وجوهاً عديدة في معنى التّوبة النّصوح، وإليك بعضها:
1 ـ إنّ النّصوح في الآية بمعنى: النّصاحة، وهي الخياطة كما نصّ عليه اللّغويون، لأنّها ـ أي التّوبة ـ تنصح من الدّين ما مزّقته الذّنوب، كما يجمع الخياط بين القطع(16).
2 ـ إنّ المعنى: توبوا توبةً تنصحون بها أنفسكم من حيث كونها على أكمل وجه(17).
3 ـ إنّ المعنى: توبةً تنصح النّاس، أي تدعوهم إلى مثلها(18).
4 ـ إنّ المعنى: توبةً خالصةً لوجه اللّه لا يشوبها شيء كالخوف من النّار، أو غيرها أو طمع في الجنّة أو غيرها(19).
هذا بعض ما ذكروه، لكن جاء في رواية: «أن يكون باطن الرّجل كظاهره وأفضل»(20). وفي أخرى: «أن يتوب الرّجل توبةً صادقةً وينوي أن لا يعود إلى الذّنب أبداً»(21).


(1) الفصل الخامس في كفارة الغيبة: 70.
(2) الأربعين: الحديث الثّامن والثّلاثون في التّوبة وشرائطها: 231 ـ 232.
(3) كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد: 571.
(4) سورة النّساء، الآية: 31.
(5) أنظر البحار 85 / 26.
(6) أنظر ذخيرة المعاد 1 / 304، وكفاية الأحكام 1 / 138، والحدائق النّاضرة 10 / 46، والبحار 85 / 25.
(7) أوائل المقالات: 334، الرّقم 92، والتّبيان في تفسير القرآن 3 / 182 و 9 / 432 ـ 433، ومجمع البيان 3 / 69، ومجمع البحرين 4 / 10.
(8) مجمع البيان، وتفسير جوامع الجامع 1 / 392 ـ 393، والتّبيان 9 / 432 حيث يقول: والمعاصي عندنا كلّها كبائرغير أنّ بعضها أكبر من بعض... .
(9) البحار 6 / 42.
(10) الكافي 2 / 288، الرّقم 1، والبحار 85 / 30.
(11) الكافي 2 / 287، الرّقم 1، والبحار 70 / 345، الرّقم 29 عنه، ولكن نقلاً عن أبي عبداللّه عليه السّلام، وفي الكافي نفس المصدر الرّقم 3 نحوه عن الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.
(12) نهج البلاغة 4 / 110، الرّقم 477، ووسائل الشّيعة 15 / 312، الرّقم 7، والبحار 70 / 364، الرّقم 96، كلاهما عن النّهج.
(13) عدّة الدّاعي: 222، وشرح النّهج 20 / 317، الرّقم 642، والبحار 69 / 321، الرّقم 37 و 75 / 67، الرّقم 7.
(14) جامع السّعادات 3 / 59 ـ 61، والمحجّة البيضاء.
(15) سورة التّحريم، الآية: 8 .
(16) العين 3 / 119، ولسان العرب 2 / 616 ـ 617، والبحار 6 / 17 و 83 / 145.
(17) البحار 6 / 17، وشرح أصول الكافي 10 / 169.
(18) البحار 83 / 145.
(19) البحار 6 / 17 و 83 / 145، والتّبيان في تفسير القرآن 10 / 51، ومجمع البيان 10 / 62.
(20) معاني الأخبار: 174 عن أبي عبداللّه عليه السّلام، ووسائل الشّيعة 16 / 77، الرّقم 2، والبحار 6 / 22، الرّقم 22 عن معاني الأخبار.
(21) وسائل الشّيعة 16 / 77، الرّقم 3، والبحار 6 / 22، الرّقم 23 مثله نقلاً عن معاني الأخبار: 174 وفيه كذا: وقد روي أنّ التّوبة النّصوح هو أن يتوب الرّجل من ذنب وينوي أن لا يعود إليه أبداً.

المواعظ الفاخرة في أمور الآخرة تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://www.al-milani.com/eref/lib-pg.php?booid=37&mid=185&pgid=1181