معنى الميزان وكيفيّة الوزن

معنى الميزان وكيفيّة الوزن
إختلف علماء المسلمين في معنى الميزان، والمراد منها في الأخبار والقرآن، على أقوال عديدة، لا بأس بالإطّلاع عليها.
الأوّل: إنّه الأنبياء والأوصياء. واختار هذا القول الشّيخ الصّدوق رحمه اللّه(1).
وممّن اختاره: الشّيخ الفيض الكاشاني رحمه اللّه حيث قال:
أقول: وسرّ ذلك أنّ ميزان كلّ شيء هو المعيار الّذي به يعرف قدر ذلك الشيء، فميزان النّاس يوم القيامة ما يوزن به قدر كلّ إنسان وقيمته على حسب عقيدته وخلقه وعمله، لتجزى كلّ نفس بما كسبت، وليس ذلك إلاّ الأنبياء والأوصياء عليهم السّلام، إذ بهم وباتباع شرائعهم واقتفاء آثارهم وترك ذلك، وبالقرب من سيرتهم والبعد عنها يعرف مقدار النّاس وقدر حسناتهم وسيّئاتهم. فميزان كلّ أمّة هو نبيّ تلك الأمّة ووصيّ نبيّها والشّريعة الّتي أتى بها. فمن ثقلت حسناته وكثرت فأولئك هم المفلحون، ومن خفّت وقلّت فأولئك الّذين خسروا أنفسهم بظلمهم عليها من جهة تكذيبهم للأنبياء والأوصياء أوعدم اتّباعهم(2).
ويدلّ عليه الخبر الّذي رواه الشّيخ الصّدوق رحمه اللّه، وقد استند إليه الشّيخ الكاشاني رحمه اللّه أيضاً.
الثّاني: إنّه العدل. واختارهذا القول الشّيخ المفيد رحمه اللّه حيث قال:
... والموازين هي: التّعديل بين الأعمال والجزاء عليها، ووضع كلّ جزاء في موضعه، وكلّ ذي حقّ إلى حقّه.
فليس الأمر في معنى ذلك على ما ذهب إليه أهل الحشو: من أنّ في القيامة موازين كموازين الدّنيا، لكلّ ميزان كفّتان توضع الأعمال فيها، إذ الأعمال أعراضٌ، والأعراض لا يصحّ وزنها، وإنّما وصفت بالثّقل والخفّة على وجه المجاز، والمراد بذلك: إنّ ما ثقل منها هو ما كثر واستحقّ عليه عظيم الثّواب، وما خفّت منها ما قلّ قدره، ولم يستحقّ عليه جزيل الثّواب.
والخبر الوارد في أنّ أمير المؤمنين والأئمّة من ذريّته عليهم السّلام هم الموازين، فالمراد أنّهم المعدّلون بين الأعمال فيما يستحقّ عليها، والحاكمون فيها بالواجب والعدل، ويقال: فلانٌ عندي في الميزان فلان ويراد به نظيره، ويقال: كلام فلان عندي أوزان من كلام فلان، والمراد به: أنّ كلامه أعظم وأفضل قدراً.
والّذي ذكره اللّه في الحساب والخوف منه إنّما هو الموافقة على الأعمال، لأنّ من وقف على أعماله لم يتخلّص من تبعاتها. ومن عفى اللّه تعالى عنه في ذلك فاز بالنّجاة، (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ ـ بكثرة استحقاق الثّواب ـ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ ـ بقلّة أعمال الطّاعات ـ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في جَهَنَّمَ خالِدُونَ)(3).
والقرآن إنّما أنزل بلغة العرب، وحقيقة كلامها ومجازه، ولم ينزل على ألفاظ العامّة، وما سبق إلى قلوبها من الأباطيل.(4)
واختاره جماعةٌ منهم شيخ الطّائفة(5)، والشّيخ الفتّال النّيسابوري(6)، والشّيخ الطّبرسي(7)، والفخرالرّازي(8)، والرّاغب(9)، ويؤيّده الخبرالمتقدّم عن هشام بن الحكم...(10).
الثّالث: أنّه الميزان المعروف، الّذي له لسانٌ وكفّتان. وعلى هذا جمهور المسلمين من المحدّثين والمفسّرين(11). وعليه الشّيخ ابن شهرآشوب رحمه اللّه، حيث قال:
الميزان هو المعروف، وإذا استعمل في غيره كان مجازاً، وكلام اللّه لا ينقل عن الحقيقة إلى المجاز من دون دلالة ومانع.(12)
وقال مجاهد وأبو مسلم: أنّها عبارةٌ عن العدل والتّسوية الصّحيحة كما يقال: كلام فلان موزون، وأفعاله موزونة.(13)
وعليه الشّيخ البهائي رحمه اللّه كما سيأتي.(14)
وقال الشّيخ الطّوسي والشّيخ الطّبرسي: رحمهما اللّه أنّه حسن، مراعاةً للخبر الوارد فيه، وجرياً على ظاهره.(15)
وعليه السّيد محمد باقر الحجّة صاحب المنظومة حيث قال:
وصدّق الميزان فالذّكر نطق *** بوصفه فهو بكفّيه حقّ
وتبعه شارحه وأوضح أدلّته، وتعجّب من الشّيخ المفيد رحمه اللّه وغيره لمخالفتهم في ذلك...(16).
وعليه الجلال السّيوطي(17)، والقرطبي(18)، وابن كثير(19)وآخرون(20).
وبناءً على هذا القول يأتي البحث عن كيفيّة وزن الأعمال بالميزان، وذلك لأنّ الأعمال أعراض لا يمكن وضعها في الميزان لأجل الوزن. فما الّذي يوضع في الميزان؟ إختلفوا على أقوال:
القول الأوّل: أنّ الموزون نفس الأعمال، قال الشيخ البهائي رحمه اللّه:
الحقّ، أنّ الموزون في النّشأة الأخرى هو نفس الأعمال لا صحائفها. وما يقال من أنّ تجسيم العرض طورٌ خلاف طور العقل، فكلام ظاهريّ عاميّ.
والّذي عليه الخواصّ من أهل التّحقيق: أنّ سنخ الشّيء وحقيقته أمرٌ مغاير لصورته الّتي يتجلّى بها على المشاعر الظّاهرة، ويلبسها لدى المدارك الباطنة، وأنّه يختلف ظهوره في تلك الصّور بحسب اختلاف المواطن والنّشآت، فيلبس في كلّ موطن لباساً، ويتجلبب في كلّ نشأة بجلباب، كما قالوا:إنّ لون الماء لون إنائه.
وأمّا الأصل الّذي تتوارد هذه الصّور عليه ويعبّرون عنه تارةً بالسّنخ، ومرّةً بالوجه، وأخرى بالرّوح، فلا يعلمه إلاّ علاّم الغيوب، فلا بعد في كون الشّيء في موطن عرضاً وفي أخرى جوهراً...(21).
وجوّز السّيوطي(22) والسّيد الحجّة الطّباطبائي(23): أن يكون الموزون نفس الأعمال، قال:... فالسّمع على التّجسيم دلّ. كما أجازا القول بأنّه الصّحائف.
القول الثّاني: أنّ الموزون، الصّحف الّتي أثبتت فيها، وهو قول عبداللّه بن عمر وجماعة، واختاره القرطبي(24)، وأجازه السّيوطي(25)، للأخبار الدّالة عليه.
القول الثّالث: أنّ الموزون نفس المؤمن والكافر. عن عبيد بن عمير: قال: يؤتى بالرّجل العظيم الجثّة فلا يزن جناح بعوضة.(26)
القول الرّابع: يظهر علامات للحسنات وعلامات للسّيّئات في الكفّتين فيراها النّاس. عن الجبائي.(27)
القول الخامس: يظهر للحسنات صورة حسنة، وللسّيّئات صورة سيّئة. عن ابن عبّاس.(28)
هذا، وأراد ابن كثير الجمع بين الأخبار، فقال: وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كلّه صحيحاً فتارةً يوزن الأعمال، وتارةّ توزن محالّها، وتارةً يوزن فاعلها واللّه أعلم.(29)
الرّابع: التّوقّف، وهو معنى كلام الشّيخ المجلسي رحمه اللّه المتقدّم، وظاهر السّيد عبداللّه شبّر.(30)
الخامس: ذكره السّيد الطّباطبائي، حيث قال بعد كلام له:
فالأقرب بالنّظر إلى هذا البيان أن يكون المراد بقوله: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذ الْحَقُّ) أنّ الوزن الّذي يوزن به الأعمال يومئذ إنّما هوالحقّ، فبقدر اشتمال العمل على الحقّ يكون اعتباره وقيمته، والحسنات مشتملة على الحقّ، فلها ثقل، كما أنّ السّيّئات ليست إلاّ باطلة، فلا ثقل لها، فاللّه سبحانه يزن الأعمال يومئذ بالحقّ، فما اشتمل عليه العمل من الحقّ فهو وزنه وثقله...(31).
وكأنّه يرجع بالتالي إلى القول الأوّل، ويؤيّده ما صرّح به في تفسير سورة البقرة(32).


(1) كما هو ظاهر كلامه المتقدّم نقله في الصفحة السّابقة.
(2) التّفسير الصّافي 2 / 181.
(3) سورة المؤمنون، الآية 102 ـ 103.
(4) تصحيح الإعتقادات: 114 ـ 115، وقد نقل كلامه في البحار 7 / 252.
(5) التّبيان في تفسير القرآن 4 / 352.
(6) روضة الواعظين: 499.
(7) مجمع البيان في تفسيرالقرآن 4 / 220، قال: وأحسن الأقوال القول الأوّل... وهو: أنّ الوزن عبارةٌ عن العدل في الآخرة وإنّه لا ظلم فيها على أحد.
(8) التفسير الكبير 14 / 28 ـ 29.
(9) تفسير الرّاغب: 25.
(10) في الصفحة: 13.
(11) قال به: ابن عبّاس والحسن والجبائي. فراجع التبيان 7 / 396 و 10 / 400.
(12) متشابه القرآن: 124.
(13) أنظر الإقتصاد: 137، والتّبيان 4 / 352،و مجمع البيان 4 / 220 و 9 / 45.
(14) في الصفحة: 21.
(15) التّبيان في تفسير القرآن 4 / 352، ومجمع البيان في تفسير القرآن 4 / 221.
(16) نور الأفهام في علم الكلام 2 / 257.
(17) الدرّ المنثور 3 / 70، وتفسير الجلالين: 193.
(18) تفسير القرطبي 11 / 293 ـ 294.
(19) تفسير القرآن العظيم: 2 / 210.
(20) تفسير السمعاني 2 / 166، وتفسير الثعالبي 3 / 9 وفتح الباري 13 / 450، و تفسير العز بن عبدالسّلام 1 / 475 والتسهيل لعلوم التنزيل 3 / 27.
(21) كتاب الأربعين: 79، وراجع شرح اصول الكافي للمولى الصالح المازندراني 11 / 239.
(22) الدرّ المنثور 3 / 71.
(23) نور الأفهام في علم الكلام 2 / 257.
(24) الجامع لأحكام القرآن 7 / 165 ـ 166، قال: فقد علم أنّ ذلك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال... وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[... فقوله: فيعطي صحيفة حسناته دليل على أنّ الأعمال تكتب في الصّحف وتوزن.
(25) تفسير الجلالين: 193.
(26) مجمع البيان في تفسير القرآن 4 / 495.
(27) نفس المصدر.
(28) مجمع البيان في تفسيرالقرآن 4 / 495.
(29) تفسير القرآن العظيم 2 / 176.
(30) حقّ اليقين في معرفة أصول الدّين 2 / 155.
(31) الميزان في تفسير القرآن 8 / 8 ـ 9.
(32) نفس المصدر 1 / 172.

المواعظ الفاخرة في أمور الآخرة تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://www.al-milani.com/eref/lib-pg.php?booid=37&mid=181&pgid=1158