3 ـ في شهادة الزوجة لزوجها وبالعكس

3 ـ في شهادة الزوجة لزوجها وبالعكس
قال المحقق: «وكذا تقبل شهادة الزوج لزوجته والزوجة لزوجها مع غيرها من أهل العدالة. ومنهم من شرط في الزوج الضميمة كالزوجة، ولا وجه له»(1).
أقول: ومن موارد التهمة شهادة كلّ من الزوجين للآخر، لكن لا كلام ولا خلاف كما في (المسالك) في القبول، لضعف التهمة مع العدالة، قال: لا خلاف عندنا في قبول شهادة كلّ من الزوجين للآخر، لوجود المقتضي وانتفاء المانع، وضعف التهمة مع وصف العدالة(2).
أما الشهادة عليه، فتكون مقبولة بالأولوية لعدم التهمة.
والدليل على قبول الشهادة من كلّ للآخر هو العمومات والإطلاقات، وخصوص النصوص:
1 ـ الحلبي: «عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تجوز شهادة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها إذا كان معها غيرها»(3).
2 ـ عمار بن مروان: «سألت أبا عبد الله عليه السلام أو قال: سأله بعض أصحابنا عن الرجل يشهد لامرأته. قال: إذا كان خيراً ] آخر [ جازت شهادته معه لامرأته»(4).
3 ـ سماعة في حديث قال: «سألته عن شهادة الرجل لامرأته، قال: نعم. والمرأة لزوجها؟ قال: لا، إلا أن يكون معها غيرها»(5).
إنما الكلام في اشتراط الضميمة وعدمه، فالأصحاب فيه على أقوال:
الأول: عدم الإعتبار مطلقاً، وهو مختار صاحبي (المسالك) و (كشف اللثام)(6) ولم يستبعده صاحب (الجواهر) ونسبه إلى المحكي عن المتأخرين كافة، وظاهر أكثر القدماء(7).
والثاني: الإعتبار مطلقاً، وهو المحكي عن الشيخ في (النهاية)(8) والقاضي(9)وابن حمزة(10).
والثالث: التفصيل بين الزوجة فيعتبر، والزوج فلا يعتبر. وعليه المحقق(11).
أقول: النصوص المذكورة ظاهرة أو صريحة في القول الثالث.
واستدلّ للقول الثاني بصحيحة الحلبي، باعتبار أن مرجع الضمير في «غيرها» هو «الشهادة» لا «الزوجة» فيكون المعنى: اشتراط وجود غير الشاهد، سواء كان الشاهد الزوج أو الزوجة، في قبول الشهادة. وفيه:
أولاً: إن الخبر في نسخة: «لا، إلا إذا كان معها غيرها» فيختص الحكم بالزوجة .
وثانياً: إرجاع الضمير إلى «الشهادة» خلاف الظاهر.
وثالثاً: إنه ينافي التصريح بالتفصيل في موثقة سماعة.
إلا أن يجعل قوله: «نعم» مجرد خطاب، كما هو متعارف في المحاورات، لا جواباً للسؤال الأول، فيكون الجواب للسؤالين قوله عليه السلام: «لا إلا أن يكون معها أي الشهادة غيرها» وفيه:
أولاً: ما تقدم من أن إرجاع الضمير إلى «الشهادة» خلاف الظاهر.
وثانياً: حمل «نعم» على ما ذكر خلاف الظاهر.
وثالثاً: إنه ينافي ما في خبر عمار بن مروان، بناء على نسخة «خيراً».
واستدلّ للقول الأول بعد تضعيف الثاني بأن الشرط: «إذا كان...» في الخبرين وارد مورد الغالب، مع عدم ثبوت الحق بالمرأة منفردة ولو مع اليمين، إلاّ نادراً كما في الوصية، بخلاف الزوج الذي يثبت الحق بشهادته مع اليمين، فلا يصلح الخبران حينئذ لتخصيص عمومات الأدلّة. والحاصل هو: التمسك بعمومات أدلّة قبول الشهادة، بعد حمل الشرط في الخبرين على مورد الغالب، لعدم امكان إبقاء «الغير» على ظاهره من الإطلاق، بأن يكفي في قبول شهادة الزوجة عدم كونها منفردة، ولعدم إمكان حمله على ما يكمل به العدد المعتبر في كلّ مورد، فلا يبقى فرق بين شهادتها على زوجها أو على غيره، إذ يسئل حينئذ عن الوجه في تخصيص هذا الشرط بالزوجة دون الزوج.
لكن يرد على حمل الشرط على الغلبة دون الإحتراز:
أوّلاً: إن كون موارد قبول شهادة المرأة منفردة أقل من موارد قبول شهادة الرجل وحده غير معلوم، إذ لا ينحصر قبول شهادتها كذلك بباب الوصية، بل يقبل قولها في موارد أخرى سيأتي ذكرها، ومن أهمّها كلّ ما لا يعرف إلا من قبلها، وما لا يستطيع الرجال النظر إليه.
وثانياً: إن وجود كلمة «لا» يمنع من الحمل على الغلبة، فقد نفى الامام عليه السلام القبول لو كانت منفردة ثم قال: إلا أن يكون... ولذا لو سئل الامام عليه السلام عن نكاح الربائب فأجاب بقوله: لا إلا أن لا تكون في الحجور، كان ظاهراً في الإحتراز وإن كان قيداً غالبياً.
فالحاصل: عدم تمامية هذا الحمل، كحمله على أنه ناظر إلى مواضع قبول شهادتها بدون ضميمة كباب الوصية، بأن تكون شهادتها مقبولة إن كانت متعلقة بوصية للغير، وأما إن كانت متعلقة بوصية من زوجها، فلا تقبل إلا مع الضميمة، لكونه خلاف الظاهر، فإن الشرط ظاهر في عدم القبول مطلقاً، وحمله على الموارد النادرة غير تام.
فالأولى أن نقول: إن الفرق المذكور حكم تعبدي، وإن ذكر المحقق له وجهاً بقوله: «ولعلّ الفرق إنما هو اختصاص الزوج بمزيد القوة في المزاج أن تجذبه دواعي الرغبة»(12).
أي: بخلاف الزوجة، فإنها ليس لها هذه المرتبة غالباً، وإن كانت على العدالة.
وأشار إلى ثمرة هذا الفرق بقوله: «والفائدة تظهر لو شهد في ما يقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين. وتظهر الفائدة في الزوجة لو شهدت لزوجها في الوصية»(13).
أي: إنه لو شهد الزوج لها فيما تقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين، فإنه على القول بعدم اعتبار الضميمة، يكفي يمينها في أخذ المشهود به، فيكون كشهادته لغير زوجته، وعلى القول باعتبارها لا يكفي، بل لابدّ من غيره، ولكن إذا كان المؤثر يمينها مع شهادة الغير، فأي فائدة في شهادة الزوج؟ اللهم إلا أن يكون الأثر لشهادة الزوج وشهادة الغير بغضّ النظر عن اليمين.
ولو شهدت الزوجة للزوج في الوصيّة، فإنه على القول الأوّل يثبت الربع كما لو لم تكن الشهادة للزوج، وعلى القول الثاني لا يثبت بشهادتها منفردة شيء ، بل لابدّ من ضمّ الضميمة. نعم يكفي انضمام امرأة اخرى إليها وإن كانت زوجة أخرى للرجل نفسه، لإطلاق النصوص.


(1) شرائع الإسلام 4 : 13.
(2) مسالك الأفهام 14 : 197.
(3) وسائل الشيعة 27 : 366/1 . كتاب الشهادات ، الباب 25.
(4) وسائل الشيعة 27 : 366/2 . كتاب الشهادات ، الباب 25 . بتفاوت.
(5) وسائل الشيعة 27 : 367/3 . كتاب الشهادات ، الباب 25.
(6) مسالك الأفهام 14 : 194 ، كشف اللثام 10 : 308.
(7) جواهر الكلام 41 : 79.
(8) النهاية : 330 . وعنه رياض المسائل 15 : 295 ، جواهر الكلام 41 : 78.
(9) المهذب 2 : 557 و559 . وعنه رياض المسائل 15 : 295 ، جواهر الكلام 41 : 78 .
(10) الوسيلة : 231 . وعنه رياض المسائل 15 : 295 ، جواهر الكلام 41 : 78.
(11) شرائع الإسلام 4 : 130 ، المختصر النافع : 279.
(12) شرائع الإسلام 4 : 130.
(13) شرائع الإسلام 4 : 130.

القضاء والشهادات (القسم الثالث) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=9&mid=56&pgid=2174