ما قيل في منع صدق الغناء في المراثي

في ما قيل من منع صدق الغناء في المراثي
ثم ذكر الشيخ قدّس سرّه: أنه قد ظهر من بعض من لا خبرة له من طلبة زمانه، تقليداً لمن سبقه من أعياننا «منع صدق الغناء في المراثي».
وقد أجاد رحمه الله فيما أفاد في الجواب عنه حيث قال: «وهو عجيب، فإنه إن أراد أن الغناء مما يكون لمواد الألفاظ دخل فيه، فهو تكذيب للعرف واللغة، أما اللغة فقد عرفت، وأما العرف، فلأنه لا ريب أن من سمع من بعيد صوتاً مشتملاً على الإطراب المقتضي للرقص أو ضرب آلات اللهو، لا يتأمّل في إطلاق الغناء عليه إلى أن يعلم مواد الألفاظ، وإن أراد أن الكيفية التي يقرء بها المرثية لا يصدق عليها تعريف الغناء، فهو تكذيب للحس»(1).
والحاصل: إن المراثي قد يصدق عليها الغناء كما قد يصدق على قراءة القرآن، ولذا ورد عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر، فإنه سيجيء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم»(2).
نعم، قيل باستثناء المراثي حكماً، فقد حكى في (جامع المقاصد) قولاً ـ لم يسم قائله ـ باستثناء الغناء في المراثي، نظير استثنائه في الأعراس.
وربما وجّهه بعض من متأخري المتأخرين بعمومات أدلّة الإبكاء والرثاء، وكأنه قد أخذ ذلك مما تقدم من صاحب (الكفاية) رحمه الله من الإستدلال بإطلاق أدلة قراءة القرآن(3).
لكن فيه: ما تقدّم من أن أدلّة الإستحباب والكراهة والاباحة لا تقاوم أدلّة الحرمة والوجوب، بل يتقدّم دليل الحرمة أو الوجوب بلا كلام عقلاً وشرعاً ، وقد دلّ الخبر المذكور: «إقرأوا القرآن...» على استحباب قراءة القرآن باللحن غير المحرم. وبعبارة أخرى: يدلّ على تحسين الصوت بالقرآن ما لم ينته إلى التغني فيحرم، فالمراثي ونحوها كذلك، فإن قرائتها بالصوت الجيّد المعين على البكاء مندوب ما لم ينته إلى حدّ الغناء.
وما عن المحقق الأردبيلي ـ بعد توجيه استثناء المراثي وغيرها من الغناء، بأنه ما ثبت الإجماع إلا في غيرها، والأخبار ليست بصحيحة صريحة في التحريم ـ من تأييد هذا الإستثناء بأن البكاء والتفجّع مطلوب مرغوب وفيه ثواب عظيم، والغناء معين على ذلك، وأنه متعارف دائماً في بلاد المسلمين من زمن المشايخ إلى زماننا هذا من غير نكير، وبأن النياحة جائزة وكذا أخذ الأجر عليها، والظاهر أنها لا تكون إلا مع الغناء، وبأن تحريم الغناء للطرب على الظاهر، وليس في المراثي طرب بل ليس إلا حزن(4).
فقد أجاب عنه الشيخ: بأن شيئاً مما ذكره لا ينفع في جواز الغناء على الوجه الذي ذكرنا، وأما كون الغناء معيناً على التفجع والبكاء، فهو ممنوع، بناءاً على ما عرفت من كون الغناء هو الصوت اللهوي، بل وعلى ظاهر تعريف المشهور من الترجيع المطرب، لأن الطرب الحاصل منه إن كان سروراً فهو مناف للتفجع لا معين، وإن كان حزناً فهو على ما هو المركوز في النفس الحيوانية من فقد المشتهيات النفسانية، لا على ما أصاب سادات الزمان، مع أنه على تقدير الإعانة لا ينفع في جواز الشيء كونه مقدّمة لمستحب أو مباح ، بل لابدّ من ملاحظة عموم دليل الحرمة له، فإن كان فهو وإلا فيحكم بإباحتة، للأصل، وعلى أي حال، فلا يجوز التمسك للإباحة بكونه مقدمة لغير حرام لما عرفت. إلى آخر كلامه قدّس سرّه(5). فتأمل.
فتلخص عدم تمامية هذا الإستثناء.

(1) كتاب المكاسب 1 : 115.
(2) وسائل الشيعة 6 : 210/1 . أبواب قراءة القرآن ، الباب 24.
(3) مستند الشيعة 18 : 202 ، كفاية الاحكام 1 : 428 و431.
(4) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 61 و63.
(5) كتاب المكاسب 1 : 116 118.

القضاء والشهادات (القسم الثالث) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=9&mid=56&pgid=2123