هل يثبت الوقف بشاهد وامرأتين وبشاهدٍ ويمين؟

هل يثبت الوقف بشاهد وامرأتين وبشاهد ويمين؟
قال المحقق: «وفي الوقف تردد، أظهره أنه يثبت بشاهد وامرأتين، وبشاهد ويمين»(1).
أقول: وجه تردد المحقق في القبول في الوقف هو الاختلاف في أنه هل ينقل إلى الله تعالى أو إلى الموقوف عليه أو يبقى على ملك المالك؟ وحيث أن مختار المحقق هو الثاني، فإنه يثبت بشاهد وامرأتين وبشاهد ويمين، لأنه مال للموقوف عليه، فهو من حقوق الناس.
وقد قيد القبول بذلك في (الجواهر) تبعاً للمسالك: بأنه إن كان موقوفاً على محصور(2)، فلو كان على غير محصور أشكل كونه ملكاً لهم لعدم العرفية في اعتبار الملكية لغير المحصور، ولعدم تصوير النزاع حينئذ، لأن كلاًّ من المدعي والمدّعى عليه مالك.
وعلّله في (المسالك) بأنه إذا كان على غير محصور فلا يمكن حلفه(3)... أي : لأن يمين الشخص في غير ماله غير مقبولة، فيكون غير المحصور ملكاً لله ملكاً اعتبارياً، وللكلّ الانتفاع بمنافعه...
وأما إذا كان على محصور، ففي (الجواهر) إنه تجري عليه جميع أحكام الملك عدا الامتناع عن نقله، وذلك لا يخرجه عن الملكية كاُمّ الولد. على أنه قد يجوز بيعه في بعض الأحوال(4).
وذهب الشيخ في (الخلاف) إلى عدم ثبوت الوقف بذلك... قال: لأن الوقف ليس بمال للموقوف عليه، بل له الانتفاع به فقط دون رقبته(5).
فظهر أن الخلاف في المقام مبني على الخلاف في الوقف.
والأشبه من التفصيل بين المحصور وغير المحصور، هو التفصيل بين ما إذا كان الموقوف عليه الأشخاص عموماً أو خصوصاً، وما إذا كان الوقف على الجهة، فيثبت في الأوّل دون الثاني... بل يثبت في الأوّل حتى على القول بعدم ملكية المنفعة والقول بجواز الانتفاع كالجلوس في المسجد.
ومن فروع هذه المسألة:
ما إذا أقام الشخص عن مكانه في المسجد فصلّى في مكانه، فعلى القول بالملكية تبطل صلاته، دون القول بجواز الانتفاع.
ومنها: ما في (العروة الوثقى): من أن الأحوط للموقوف عليهم في الأوقاف الخاصة دفع الخمس، فيفيد عدم الخمس(6) إذا كان الوقف عاماً... فإذا كان البستان وقفاً على الأولاد، فعلى القول بالملكيّة يملكون الأثمار وعليهم الخمس، وأما إذا كان وقفاً على عموم الناس فلا يملك أحد شيئاً، بل لهم الإستفادة منها فلا خمس... نعم، يجب بناءاً على اعتبار الملكية للعموم.
والحاصل: إن الأشبه هو القبول فيها إذا كانت الدعوى في مال أو فيما يقصد به المال، أعم من العين والمنفعة.
ثم ذكر في (الجواهر) مصاديق أخرى من موارد الثبوت بالشاهد واليمين، وهي حقوق الأموال، كالأجل والخيار اشتراطاً وانقضاءاً، والشفعة، وفسخ العقد المتعلّق بالأموال، وقبض نجوم الكتابة أو غيرها من الأموال، (قال): لأن جميعها حق آدمي، بل المقصود منها أجمع ثبوت مال أو زواله، بل وكذا النجم الأخير من الكتابة، وإن توقف فيه الفاضل في القواعد(7)، لكنه في غير محلّه، خصوصاً بناءاً على ما ذكرناه(8).
قلت: وجه توقف العلامة في (القواعد) احتمال كون النزاع حينئذ في الحرية وهي ليست بمال.

(1) شرائع الإسلام 4 : 137.
(2) جواهر الكلام 41 : 169.
(3) مسالك الأفهام 14 : 257.
(4) جواهر الكلام 41 : 169.
(5) كتاب الخلاف : 6/281.
(6) العروة الوثقى 2 : 390.
(7) قواعد الأحكام 3 : 499.
(8) جواهر الكلام 41 : 170.

القضاء والشهادات (القسم الثالث) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=9&mid=198&pgid=2219