النظر في أجوبة الشيخ عن أدلّة المانعين

النظر في أجوبة الشيخ عن أدلّة المانعين
ولننظر في أجوبة الشيخ عن أدلّة المخالفين:
لقد أجاب الشيخ عن الوجه الأول: بأنها دعوى خالية عن الشاهد مدفوعة بالإطلاقات.
أقول:
اقتران واقع العقد والعهد النفساني بالرّضا وطيب النفس هو الشرط، وأمّا دعوى اعتبار اقتران صيغة العقد بذلك، فخالية عن الشّاهد، كما ذكر الشيخ، وقد تقدّم منّا بيان اقتران العقد بالرّضا المتأخّر.
وأجاب عن الاستدلال بآية التجارة: بأنّ دلالة الآية على اعتبار وقوع العقد عن التراضي، إمّا بمفهوم الحصر المدلول عليه بـ«الاّ» الاستثنائية، وإمّا بمفهوم الوصف، بتقييد التجارة بكونها «عن تراض». (قال): ولا حصر، لأن الاستثناء منقطع، وهو غير مفيد للحصر، ومفهوم الوصف ـ على القول به ـ مقيّد بعدم ورود الوصف مورد الغالب، وما نحن فيه من هذا القبيل.
وتوضيحه: إنّ الباء في «بالباطل» سببيّة، فالمعنى: إنّ تصرّف بعضكم في أموال البعض الآخر بالسبب الباطل حرام. والسبب الباطل في الروايات: الرّبا والقمار. ويحتمل أن المراد ما ليس بحقٍّ، فما في الروايات من باب ذكر المصداق.
وفي كلمة «التجارة» قراءتان، الرفع، فيكون فاعلاً لكان التامّة، وحيث أن التجارة عن تراض ليست من مصاديق الأسباب الباطلة، فالاستثناء منقطع لا محالة. (قال) وهذا الاستثناء غير مفرّغ، بأنْ يكون للإستثناء المنقطع قسمان، المفرّغ وغير المفرّغ، والمفرّغ يمكن تأويله بحيث يفيد الحصر، فهو منقطع محض، وحينئذ لا يفيد الحصر.
وبناءً على قراءة الفتح، فالتقدير: إلاّ أنْ تكون الأموال أموال تجارة عن تراض، والاستثناء منقطع كذلك.
ولا دلالة على الحصر عن طريق المفهوم، لأن القيد غالبي كما في الآية (وَرَبائِبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُمْ)(1).
أقول:
الإنصاف أنْ «عن تراض» قيدٌ لا وصف، ولايخفى الفرق، وإذا كان قيداً، فإنّ الأصل في القيود هو الإحترازيّة.
وأمّا ما ذكره في الإستثناء، فقد قال السيّد: بأنّ المستثنى منه هو (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ) وقوله (بِالْباطِلِ) بيانٌ لعلّة الحكم. فالمعنى: كلّما ليس بتجارة عن تراض فهو في نظر الشارع باطل(2).
وعلى هذا يكون الاستثناء متّصلاً. وهو حسن، إلاّ أن الجزم به مشكل.
إلاّ أنّ في الاستدلال بالآية عن طريق قيديّة «عن تراض» وأنّ ظاهر التقييد هو الإحترازية، كفاية.
وببيان آخر:
إنّ جميع الاستثناءات المنقطعة مآلها إلى الإتصال، مثلاً قوله تعالى: (لا يَسْمَعُونَ فيها لَغْوًا وَلا تَأْثيًماً * إِلاّ قيلاً سَلامًا سَلامًا)(3) ظاهره الانقطاع ولكنْ ليس كذلك، بل لمّا كان قوله: (لا يَسْمَعُونَ فيها لَغْوًا وَلا تَأْثيًما) يوهم عدم وجود المتكلّم أو الكلام هناك، استثني بقوله (إِلاّ قيلاً سَلامًا سَلامًا) لدفع التوهّم المذكور، وأنّ هناك متكلّماً وكلاماً وهو ليس إلاّ سلاماً سلاماً.
وآية التجارة كذلك، فقد يتوهّم منها أنها ناهية ومانعة من أنّ يتاجر الناس فيها بينهم بأموالهم، فجاء الردّ بأنّ المتاجرة الممنوعة هي التي تكون بالباطل، أمّا التي تكون عن تراض فلا مانع عنها.
وبعبارة اخرى: إنّ «إلاّ» ظاهرة في الإخراج، فالآية تستثني عن «أموالكم» ما كان تجارة عن تراض، وقوله بـ«الباطل» بيان لعلّة لتحريم ما عدا التجارة عن تراض.
إذن، يتمّ الاستدلال بالآية على كلا الوجهين.
وأمّا حديث الرفع، فيدلّ على عدم ترتب الأثر على بيع المكره، إمّا تخصّصاً، بأنّ بيعه ليس ببيع، فلا تعمّه الآية (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) فلا مجال لدعوى شمولها له بطيب النفس لاحقاً. وإمّا تخصيصاً، وكلّ فرد خرج عن تحت العام لا يمكن أن يعود ويدخل تحته، لأن ما وقع لا ينقلب عمّا وقع عليه.
وبالجملة، فبيع المكره خارج عن الآية على كلّ تقدير.
أجاب الشيخ: بأنّ المرفوع هو المؤاخذة، الأعم من الدنيويّة والاخرويّة.
(قال) والحكم بوقوف عقده على رضاه، راجع إلى أن له أن يرضى بذلك، وهذا حق له لا عليه.
أي: إنّ المرتفع هو المؤاخذة، وما كان له فليس بمؤاخذ عليه حتّى يرتفع. أو إنه لمّا كان حديث الرفع امتنانيّاً، فهو لا يرفع الحكم الذي له، لأنّ رفعه خلاف الامتنان.
ثم قال:
نعم، قد يلزم الطرف الآخر بعدم الفسخ حتى يرضى المكره أو يفسخ. وهذا إلزام لغير المكره، والحديث لا يرفع المؤاخذة والإلزام عن غير المكره.
والوجه في ذلك هو: إنّ الطرف الآخر ـ وهو المشتري ـ قد قبل البيع عن طيب نفس عنه من المكره، وهو لم يكن في قبوله مكرهاً حتى يرتفع بالحديث، فيكون ملزماً بعدم الفسخ.
ثم قال:
وأمّا إلزامه بعد طول المدّة باختيار البيع أو فسخه، فهو من توابع الحقّ الثابت له بالإكراه...
يعني: المفروض لزوم البيع من ناحية المشتري، فليس له التصرّف في الثمن ولا في المبيع وليس له الفسخ، ولكنْ إذا طالت المدّة جاز إلزام المكره باختيار البيع أو فسخه، وهذا الإلزام لا يرتفع بحديث الرفع، لأنه من توابع الحق الثابت له بالإكراه. أي: إنّ الإكراه يرفع ماله الثبوت ـ ولو بالثبوت الاقتضائي بمقتضى العمومات ـ وأمّا ما يثبت بعد الرفع، فمتأخّر عن الرفع بمرتبتين، ولا يعقل أنْ يرتفع.
ثم قال:
ما ذكرنا واضح على القول بكون الرضا ناقلاً.
يعني: إنّ الذي ذكرنا ـ من توقف البيع من حيث التأثير على رضاه اللاّحق حقٌّ له لا عليه ـ واضح على القول بكون الرّضا ناقلاً، لكون الرّضا ـ بناءً عليه ـ مؤثراً من حينه.
قال:
وكذلك على القول بالكشف بعد التأمّل.
أي: ربما يقال إنّه بناءً على كاشفيّة الرّضا عن تحقق البيع وثبوت الملكيّة للمشتري من حين العقد. يكون حقّاً عليه لا حقّاً له.
فأفاد بأنّ الأمر ليس كذلك بعد التأمّل، وذلك، لأنّ معنى الكاشفيّة ليس المرآتيّة، بأنْ يكون الرّضا مرآةً لتحقّق البيع في حين العقد، فهذا باطل، بل المراد من الكاشفيّة هو الكشف الحكمي، بمعنى تعبّد الشارع عند الرّضا اللاّحق بترتيب آثار البيع من حين العقد، أو يكون المراد من الكاشفيّة الكشف الحقيقي، أي: إن العقد يؤثر في الملكيّة من حين صدوره بلحاظ تعقّبه بالرّضا. لكنّه على كلّ حال مختار في الرّضا وطيب النفس وعدمه.
هذا جواب الشيخ أوّلاً. وقد تعمّدنا شرح كلامه، لأنّ البعض قد غفل عن مرامه فأورد عليه بما لا وجه له.
وأمّا جوابه عن الاستدلال بالحديث ثانياً، فهو:
إنّ أثر العقد الصّادر من المالك ـ بمقتضى العمومات والإطلاقات ومع قطع النظر عن اعتبار عدم الإكراه ـ هو السببيّة التامّة لنقل المال، ومن المعلوم انتفاء هذا الأثر بسبب الإكراه بمقتضى حديث الرفع، فيثبت له حينئذ السببيّة الناقصة، إذ يكون العقد بالنظر إلى الحديث جزءً للعلّة التامّة، وطيب النفس هو الجزء الآخر، فالسببيّة النّاقصة لم تكن من قبل وإنما حدثت بالحديث، فكيف يعقل ارتفاعها به؟
إن رفع ما استكرهوا عليه نظير رفع الخطأ والنسيان، فكما أن الأثر الذي يترتب على العمل بقيد كونه عن نسيان ـ كوجوب سجدتي السّهو على المتكلّم عن نسيان ـ لا يرتفع بحديث الرفع، كما أنّ الأثر المترتّب على الفعل بقيد العمد، كوجوب الكفارة على من أفطر عمداً، كذلك، فإنه لا معنى للتمسك بحديث الرفع لعدم وجوب الكفارة على من أفطر سهواً.
كذلك الكلام في فقرة ما استكرهوا عليه، فإنّ البيع كان سبباً مستقلاًّ للنقل والانتقال، فإنْ كان عن إكراه، سقط عن تلك السببيّة ووجد له السببيّة الناقصة، وهذه السببيّة لا ترتفع بحديث الرفع، لكونها وجدت به.
قال:
وبعبارة اخرى: اللّزوم الثابت للعقد مع قطع النظر عن اعتبار عدم الإكراه هو اللّزوم المنفي بهذا الحديث، والمدّعى ثبوته للعقد بوصف الإكراه هو وقوفه على رضا المالك، وهذا غير مرتفع بالإكراه.
فأشكل عليه بقوله:
إن مقتضى حكومة الحديث على إطلاقات (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)هو تقيّدها بالمسبوقيّة بطيب النّفس، فكان المعنى: أحلّ الله البيع المرضيّ به، وحينئذ، فبأيّ دليل يستند القول بتأثير الرضا اللاّحق بعد تقيّد العمومات بالرّضا السّابق؟ وإذْ لا دليل عام ولا خاصّ، فيرجع إلى أصالة الفساد.
فقال:
اللهم إلاّ أن يقال: إنّ العمومات والإطلاقات مقيّدة ـ بمقتضى الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ـ بالمعاملة الواقعة عن الرّضا، وهو أعمّ من المقارن واللاّحق، فلا يبقى مجال للاستدلال بحديث الرفع لعدم تأثير البيع عن إكراه، إذ يعتبر أنْ يكون هناك أثر ليرفعه الحديث، أمّا البيع بما هو بيع فلا أثر له، وأمّا البيع مع الرّضا فلا يرتفع، وأمّا البيع الذي يلحقه الرّضا، فقد أفادت العمومات المتقيّدة ترتّب الأثر عليه.
قال:
فالإطلاقات بعد التقييد تثبت التأثير التامّ لمجموع العقد المكره عليه والرّضا به لاحقاً، ولازمه ـ بحكم العقل ـ كون العقد المكره عليه بعض المؤثّر التام، وهذا أمر عقلي غير مجعول، فلا يرتفع بالإكراه.
وما في بعض النسخ من قوله: «إلاّ أن يقال...» إلى لفظة «من اللاّحق» باطل، وليس في نسختنا المصحّحة، والكلام اللاّحق قرينة على بطلان تلك الجملة.
وقد أورد بعض الأعاظم على كلام الشيخ قدّس سرّه بأنّه يبتني على قانون انقلاب النسبة، وهو تخصيص العام بأحد المخصصّين، ثم لحاظ النسبة بينه وبين المخصّص الآخر. ولكنّ التحقيق ـ كما تقرّر في باب التعادل والتراجيح ـ أنه لو جاء عام وخاصّان، فإنهما يخصّصان العامّ في عرض واحد، لا أنْ يخصّص أحدهما ثم تلحظ النسبة بين العام والمخصص الآخر. مثلاً: لو قال أكرم العالم، ثم قال: لا تكرم الرّومي وقال: لا تكرم النحوي، فلا يخصّص العام بالرومي أوّلا وتكون النتيجة لا تكرم الرومي من العلماء، ثم تلحظ نسبته إلى لا تكرم النحوي، حتى تكون النسبة العموم والخصوص من وجه، بل المخصّصان يردان على العام في وقت واحد، والنسبة بين كلّ منهما والعام هي العموم والخصوص المطلق، كما لا يخصّص العام بأحد الخاصّين فقط فلا يبقى موضوع للمخصّص الآخر.
وفيما نحن فيه، يوجد العام وهو (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) والخاصّان وهما: حديث الرفع، وحديث: لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه. والشّيخ يريد تخصيص الآية بحديث لا يحلّ، ثم يقول بأنْ لا موضوع لحديث الرفع. وهذا ما يصطلح عليه بانقلاب النسبة، وقد تقرّر بطلانه.
أقول:
قد أوضحنا في بحث التعادل والتراجيح بطلان انقلاب النسبة، ومورده ما إذا كان عام ومخصّصان، كالمثال المذكور. ولكنْ لايخفى الفرق بين الحاكم والمخصّص، إذ الحاكم رافع للموضوع والمخصّص هو ما يرفع الحكم مع انحفاظ الموضوع، والحاكم دائماً في رتبة متأخرة في نظام التشريع، لكونه شارحاً للأدلّة وناظراً إليها، وإذا كان كذلك، فلا يجعل في عرض المخصّص.
وفيما نحن فيه: حديث الرفع لسانه لسان الحكومة، وحديث لا يحلّ مخصّص، فيتقدّم حديث لا يحلّ ويخصّص العام وهو الآية المباركة، فيعتبر في البيع الرّضا، وهو أعمّ من المقارن والمتأخر، وحينئذ، لا يبقى موضوعٌ لحديث الرفع.
وهذا هو الوجه الصحيح لما أفاده الشيخ، وليس من باب انقلاب النسبة حتى يرد عليه الإشكال.
فإنْ قلت:
فكما أن الرّضا أعم من المقارن واللاّحق، كذلك الإكراه المرفوع بحديث الرفع، فإنه أعم من الإكراه المستمر والإكراه الذي انقطع بالرّضا لاحقاً.
قلت:
إنّ حديث الرفع مسوق للامتنان، ومقتضى الإمتنان أنْ يكون البيع الإكراهي المتعقب بالرّضا مؤثراً، فلا يعقل الإطلاق في الحديث، بل يكون منحصراً بالإكراه المستمر.
ولو فرض أنّ الحديثين مخصّصان للعام في عرض واحد، لم يكن لحديث الرفع أثر كذلك، لأنه قد اختصّ بالإكراه المستمرّ، وقد خصّ العام به، وأمّا الإكراه الذي انقطع بالرّضا فباق تحت العام ويترتب عليه الأثر.
فالتحقيق في الجواب عن الاستدلال بحديث الرفع أنْ يقال: إنّ مفاد هذا الحديث هو: أن كلّ حكم يكون مترتّباً على البيع لولا الإكراه، فهو مرتفع بالإكراه، وهذا الرفع التشريعي امتناني، فيختص بما إذا كان الإكراه مستمرّاً، ولا ربط لحديث الرفع بمورد الإكراه المنقطع بالرّضا اللاّحق، بل هو باق تحت العمومات.


(1) سورة النساء: 23.
(2) حاشية المكاسب 2 / 73.
(3) سورة الواقعة: 25.

كتاب البيع (الجزء الثالث) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=36&mid=430&pgid=5999