النظر في كلام الشيخ

النظر في كلام الشيخ
أقول:
كان ما تقدّم شرح كلمات الشّيخ رحمه الله، وقد ذكر خمسة أمثلة، ولا يخلو كلامه من خلط. و توضيح ذلك:
تارة: يكون الإكراه على الجامع والكلّي الحقيقي، كأنْ يكره على بيع الدار وهو يملك دارين. واخرى: يكون الإكراه على بيع هذه الدار أو تلك، فيحتمل أن يكون الإكراه على بيع كلٍّ منهما في ظرف عدم بيع الاخرى، أو يكون على بيع كليهما مع رفع اليد عن الإكراه على بيع كلٍّ منهما، أو يكون على الجامع الانتزاعي وهو أحدهما.
وقد ذكرنا في بحث الواجب التخييري أنه قيل في تعريفه: أنّ الملاك في كلٍّ من الفردين يضادّ الآخر، فإذا تعلّق بكلٍّ أمر ولا يمكن الجمع بينهما كان الواجب تخييرياً. فأوردنا عليه: بأنه لو كان هكذا يلزم لغويّة كليهما، وإذا ترك كليهما استحقّ العقابين. وقيل: كلٌّ منهما واجب ووجوبه مشروط بترك الآخر. فأوردنا عليه باستحقاق العقابين بترك كليهما. وقيل: الواجب هو أحدهما لا بعينه. قد أوردنا عليه بأنه غيرمعقول. وقيل: بأن الواجب هو الجامع الانتزاعي، وهو أحدهما... وأوردنا عليه بأنه غير معقول كذلك.]1[
وكان المختار بأنه: مصلحتان ملزمتان، وفي قبالهما مصلحة اخرى ـ هي مصلحة التسهيل ـ منعت عن وجوب كليهما.
وبالجملة، فرقٌ بين الإكراه على الكلّي الحقيقي، والإكراه على الأفراد بنحو الترديد.
وأيضاً، فرقٌ بين أنْ يكون للجامع بين الأفراد أثر بما هو جامع، وأنْ يكون الأثر للأفراد، إمّا منها أو لأحدها.
وأيضاً، قد يكون للكلّي أثر ولأحد الفردين أثر أكثر، كأنْ يكرهه على البيع أو الشهادة بالزّور، أو يكرهه على شرب النجس، ويدور الأمر بين الماء النجس والماء النجس المغصوب، أو يكرهه على شرب النجس أو الشهادة بالزور.

]1[ قد ذكرنا أقوال المحقّقين الخراساني والإصفهاني والنائيني والعراقي وأقوالا اخرى في تعريف الواجب التخييري في الجزء الثالث من كتابنا (تحقيق الاصول).
وأيضاً، قد يكون الكلّي المكره عليه بنحو التضييق، ويكون بين أفراده عرضيّة، كأن يقول: بع الآن، وقد يكون موسّعاً ويكون بين أفراده طوليّة، كأن يقول: بع اليوم.
ويختلف الحال في الأفراد العرضيّة والطوليّة، من حيث أنها قد تكون متساوية وقد تكون مختلفة، كأن قال: بع دارك اليوم، فكان أحد البيوع في وقت النداء، أو كان أحد البيعين مورد النهي من والده.
والجامع بين الأقسام هو:
إن مورد الإكراه إمّا تكليفي وإمّا وضعي، وفي كلّ منهما: الإكراه إمّا على الجامع وإمّا على أحد الأمرين، وعلى التقادير: إمّا يكون لأحد الفردين أثر زائد أوْلا.
فرؤوس الأقسام ثمانية.
ونحن نبيّن أوّلاً أحكام هذه الأقسام بالتفصيل، فإنّ المحقق الخراساني لم يتعرّض للتفاصيل أصلاً، والسيّد وشيخنا والميرزا الاستاذ ذكروا بعض الأقسام ولم يفوا البحث حقّه.
أمّا الإكراه في الحكم التكليفي، فإن اُكره على الكلّي الحقيقي، كأنْ يكره على شرب المسكر وهو ذو أفراد كثيرة وكلّ منها حصّة من الكلّي، بل إن نسبة الكلّي إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأبناء، فإنّ كلّ فرد فرد مكره عليه، فلو أتى بأي منها على الإكراه وإنْ كان مختاراً في الخصوصيّة.
وأمّا الأفراد الطوليّة، بأن كان الإكراه في سعة من الوقت، ففي الإقدام على الشرب فعلاً إشكال، لعدم الضرورة المبيحة له، فلا يكون مكرهاً عليه كما لا يخفى.
وعلى الجملة، فإنّ الأفراد العرضيّة في الضّرورة على حدٍّ سواء، وليست الأفراد الطوليّة كذلك، ففي المبادرة إلى الشرب مع سعة الوقت من قبل المكره إشكال، لعدم الضّرورة بقول مطلق فيه.
ولو كان لأحد الأفراد ـ مطلقاً ـ خصوصيّة زائدة، كأن يكون مغصوباً بالإضافة إلى نجاسته، فاختيار هذا الفرد غير جائز، لكون المكلّف من حيث الجامع ـ وهو شرب النجس ـ مكرهاً عليه، وأمّا من حيث التصرّف في مال الغير بدون إذنه فلا.

كتاب البيع (الجزء الثالث) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=36&mid=430&pgid=5985