حكم ما لو ارتفع التعذر وأمكن ردّ العين

حكم ما لو ارتفع التعذر وأمكن ردّ العين
قال الشيخ:
ثم إنه لا إشكال في أنه إذا ارتفع تعذّر ردّ العين وصار ممكناً، وجب ردّها إلى مالكها...
وحاصله: إن دفع بدل الحيلولة إنما أخرج العين عن الضّمان، بمعنى أنه لو تلفت بعد دفعه، لم يكن عليه دفع قيمتها، وأمّا إذا تمكّن من ردّ العين، فإنّ عموم «على اليد» يقتضي وجوب ردّها فوراً.
إنْ قلت: لقد سقط بسبب التعذّر وجوب الردّ، فإذا صار ممكناً يستصحب عدم وجوب الردّ.
قلت: إنّ كلّ تكليف غير مقيّد بوقت ترتّب على موضوع، فإنه يستمرّ بحسب الأزمنة، ولو تعذّر امتثاله في قطعة من الزمان لعذر عقلي، فلا وجه للقول بسقوطه كليّةً، لأنّ المفروض وجود الملاك للحكم ووجود الموضوع المترتب عليه، ولذا لو ارتفع العذر بقي التكليف على حاله، لوجود المقتضي وعدم المانع. وهذه قاعدة عامّة مقرّرة، وعلى ذلك، فإنّ التكليف بردّ العين المرتفع في وقت تعذّره باق على حاله، فإذا ارتفع العذر وأمكن الردّ وجب، فلا يجوز استصحاب سقوط وجوبه في تلك الفترة.
قال: بل مقتضى الاستصحاب والعموم هو الضّمان المدلول عليه بحديث على اليد.
أقول:
وهذا صحيح على مسلكه من أنّ البدل بدلٌ عن السّلطنة، وأنّ الأحكام الوضعيّة منتزعة من الأحكام التكليفيّة. وذلك: لأنّه إذا دفع بدل السّلطنة ثم شكّ في أنه يخرج بذلك عن ضمان العين أوْ لا، استصحب بقاء الضّمان.
وأيضاً: فإنّ الضمان حكم وضعي منتزع من قوله صلّى الله عليه وآله: «على اليد ما أخذت» الذي أفاد وجوب الردّ تكليفاً، والمفروض عدم خروج العين عن يده، ومقتضى عموم الحديث وجوب الردّ، وأمّا ما لم يردّ العين فالعهدة باقية.
إنما الكلام في إثبات وجوب الردّ بمجرّد ارتفاع التعذّر، وإنْ لم تكن العين في اليد، بناءً على ما هو التحقيق من أن بدل الحيلولة بدل عن الماليّة، والضمان حكم وضعيّ مستفاد من كلمة «على» في حديث «على اليد»، وأنّ البدل يكون ملكاً للمالك. وذلك: لأنه لمّا أعطى البدل خرجت العين عن الماليّة، وما لا ماليّة له لا ضمان له، وإذا خرجت العين عن الضمان، فلا وجه للقول بوجوب ردّها.
والحاصل: إن وجوب الردّ أثر الضّمان، والضمان يعود إلى الماليّة، والماليّة قد تداركها بدفع بدل الحيلولة، فلماذا يجب الردّ؟ وما معنى التمسّك بالإستصحاب أو العموم؟
اللّهم إلاّ أنْ يقال: بأنّ الضّمان هو الكفالة، أي تعهّد ردّ العين أو بدلها، فإذا تعذّر ردّها ودفع الضامن البدل، صار مالك العين مالكاً للبدل بعنوان أنه بدل عن العين المتعذّرة، لأنّ البدليّة إنما تصدق حيث لا يتمكّن من العين، وأمّا مع التمكّن من العين فلا مجال للبدل، وعلى هذا، فإنّ مالكيّة المالك للبدل يكون موقّتاً بزمان تعذّر العين، كما أنّ ارتفاع الضمان بدفع البدل موقّت، وأنّ الضمان للنماءات والانتفاعات وارتفاع القيمة موقّت.
ومن هنا يظهر: أنه لو كان الدليل على الضّمان هو العمومات الواردة في المال المسروق أو الضائع و نحو ذلك، فإنّ دلالتها على ذلك محدود بصدق عنوان «المسروق» و«المحروق» و«الضائع»، وإلاّ، فلا معنى للضمان والكفالة، والله العالم.

كتاب البيع (الجزء الثالث) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=36&mid=429&pgid=5931