حديث الرّاية وحبّ الله عليّاً

حديث الرّاية وحبّ الله عليّاً
أما حبّهم لله وحبّ الله لهم، هذا الحبّ المتبادل المنقطع النظير، فقد شهد به الله ورسوله، وشهد به أعداؤهم والمخالفون لهم أيضاً، ورووا الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في ذلك... .
ومن تلك الأحاديث ما ورد في يوم خيبر، فإنه ـ بعد أن أعطى رسول الله صلّى الله عليه وآله أبا بكر الرّاية، فذهب بها ورجع منهزماً، ثم أعطاه عمر، فرجع منهزماً ـ قال في اليوم الثالث:
ساُعطي الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّاراً غير فرار، يفتح الله عليه يديه... .
فبات الناس طيّبةً أنفسهم أن الفتح يكون غداً، وكلٌّ يريد أنْ يعطى الراية ويرجو أن يكون الفتح على يده، فلما كان الغد تصادر لها أبو بكر وعمر، لكن النبي صلّى الله عليه وآله دعا عليّاً، فقيل له: إنه أرمد، فأرسل إليه فأتي به، فبصق صلّى الله عليه وآله في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الرّاية، ففتح الله على يديه(1).
نعم، لقد كانوا «تامّين في محبّة الله» وعلى رأسهم أمير المؤمنين، وبه فسّر قوله تعالى «والقوم الذين يحبّهم الله ويحبّونه» في الآية المباركة:
(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنينَ أَعِزَّة عَلَى الْكافِرينَ)(2).
ففي مجمع البيان: قيل: هم أمير المؤمنين علي وأصحابه، حين قاتل من قاتله من الناكثين والقاسطين والمارقين. وروي ذلك عن عمّار وحذيفة وابن عباس، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبدالله.
قال: وروي عن علي أنه قال يوم البصرة: والله، ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم، وتلا الآية المذكورة(3).
وزعم بعض المفسرين من أهل السنة أنها في أبي بكر، لحربه المرتدين بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله(4).
وقد فندنا هذه المزعمة في بحوثنا وأثبتنا نزولها في أمير المؤمنين والأئمّة الطاهرين والحواريين من أصحابهم، لأنّ عليّاً عليه السّلام هو الذي «يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله» في حديث خيبر، وليس أبا بكر ولا غيره.
ومن الشواهد عليه حديث الطّير المشويّ... .
فإنّ النبي صلّى الله عليه وآله اُتي بطائر مشوي ليأكله، فدعا قائلاً: اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر فجاء علي ودقّ الباب، فقال أنس: من هذا؟ قال: علي، فقال: النبيّ على حاجة فانصرف، وكان رسول الله ما يزال يدعو، فجاء علي فدقّ الباب، فقال أنس: من هذا؟
قال: علي، قال: إن رسول الله على حاجة... .
وأخرج النسائي: أن أبا بكر وعمر وعثمان أتوا، فردّهم أنس.
لكنّ عليّاً جاء للمرّة الثالثة، ورفع صوته، فقال رسول الله: أدخله، فدخل علي، فقال رسول الله: لقد سألت الله ثلاثاً أنْ يأتني بأحبّ الخلق إليه وإليّ، فما أبطأ لك يا علي؟ فقال علي: وأنا يا رسول الله، لقد جئت ثلاثاً كلّ ذلك يردّني أنس، فقال رسول الله: يا أنس، ما حملك على ما صنعت؟ قال: أحببت أن تدرك الدعوة رجلاً من قومي...(5).


(1) هذا مجمل حديث الرّاية، وهو في الصحيحين والسنن والمسانيد وسائر كتب الحديث والسيرة وتراجم الصحابة، ولنا فيه رسالة موجزة منتشرة في (سلسلة إعرف الحق تعرف أهله) الرقم (17).
(2) سورة المائدة، الآية: 54.
(3) الإفصاح في الإمامة: 125، مناقب آل أبي طالب 3 / 48، تفسير العياشي 2 / 79.
(4) تفسير الطبري 6 / 382، القرطبي 6 / 220، الرازي 12 / 18.
(5) هذا مجمل حديث الطير، وله أسانيد معتبرة في الأسفار المهمة المعتبرة لأهل السنّة، ولنا فيه رسالة مفردة منتشرة في سلسلة (إعرف الحق تعرف أهله) الرقم (34). ومن شاء التفصيل فليرجع إلى (نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار) الجزء: 13.

مع الأئمّة الهداة في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة (1) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=35&mid=427&pgid=5841