مواريث الأنبياء وعموم الإرث

مواريث الأنبياء وعموم الإرث
ثم إنّ المستفاد من مجموع الآيات والروايات، أن مواريث الأنبياء يمكن أن تكون عدّة أُمور:
1 ـ المقامات والمراتب العالية في القرب من الله تعالى. كوراثة الولاية منهم، ومقام الوساطة في الفيض الإلهي، والمعاجز والمناقب... ولا شك أن الأئمّة الطّاهرين عليهم السّلام قد حازوا هذه الأُمور بأجمعها.
2 ـ الملكات العالية والصّفات الحميدة. فالأئمّة عليهم السّلام قد ورثوا الملكات والصّفات الحميدة والعصمة وباقي المعالي الموجودة عند الأنبياء عليهم السّلام.
3 ـ الصحف والكتب وسائر الأُمور الخاصّة بالأنبياء، مثل خاتم سليمان وعصى موسى وغير ذلك. وكلّها قد ورثها الأئمّة وهي عندهم.
4 ـ خصوصيّات امتاز بها بعض الأنبياء والرسل. كنفوذ الكلمة والحكومة الظاهرية والطَّول والقوّة، وقد انتقلت من بعدهم للأئمة عليهم السّلام وأصبحت خاصّة بهم، حيث لزم بتبع ذلك وجوب طاعتهم على اُمم ذلكم الأنبياء.
وبعبارة أوضح، فإن الطّاعة المطلقة المفروضة التي كانت لرسل الله تعالى، قد اجتمعت بالأئمّة من آل البيت عليهم السّلام، وهي ثابتة فيهم دون غيرهم.
5 ـ الأموال والممتلكات. فكلّ من يخلّف من الأنبياء مالا فهو يصل إلى وارثه، ولمّا كان الأئمّة عليهم السّلام سلالة النبيين، فهم يستحقّون بالإرث ـ بحسب الموازين ـ ما لو ترك الأنبياء شيئاً من الأموال والأملاك، كما أنّهم ورثة جدّهم الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما تركه من مال.
فالمقام الذي يمتاز به نبيٌّ أو رسول بكلّ خصوصيّاته ـ من الملكات والعلوم والمقامات والقرب من الله تعالى والعصمة والتصرّف في أموال الناس وأُمورهم وطاعته المفروضة عليهم ـ يصبح لخليفته الذي يليه، وهي مهمة اُنيطت بالأئمّة عليهم السّلام، وهم المخصوصون بملء الفراغ الناشىء برحيل أنبياء الله عليهم السّلام، لا أن تنتقل إليهم هذه الخصوصيات كانتقال الشيء من ملكيّة الأب المتوفى إلى ملكية الابن الوارث، بل إن المفهوم أعلى مستوى وأكثر شمولية.
وكذلك الحال بالنسبة إلى الأموال في دنيا الأنبياء، تماماً كما هي في حياة باقي البشر، حيث تنتقل أموالهم إلى ورثتهم، وإلاّ لفقدت آيات الإرث محتواها أو يعطل جزء من القرآن.
فعلى سبيل المثال قوله تعالى:
(وَإِنّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائي وَكانَتِ امْرَأَتي عاقِرًا فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلام اسْمُهُ يَحْيى...)(1).
وقد ادعى أهل السنّة أن المقصود من الإرث في هذه الموارد هو العلم فقط. ولو كان الأمر كما يقولون، فهل بإمكان الموالي أنْ يغتصبوا علمه حتى يخاف ويطلب من الله أن يهب له وليّاً يرثه؟ هناك الكثير من القرائن في الآيات القرآنية تؤكد بديهية توريث الأنبياء كسائر الناس، وهو ما أوضحناه في دراسة تحقيقية مستقلة، استوعبنا فيها البحث عن إرث النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله، وقضية فدك، وحديث أبي بكر الذي انفرد به، وعالجنا ذلك بالآيات القرآنية وأدلة بيّنة وأثبتنا من مصادر أهل السنّة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله ترك أموالا خاصّة به من قبيل السيف والفرس وغير ذلك(2).
أما مصادرنا الخاصّة، فقد أوردت في هذا الصدد روايات متعدّدة، كالتي نقلها الشيخ الكليني رحمه الله بسنده عن أبان بن عثمان عن الإمام الصّادق عليه السّلام قال:
لمّا حضرت رسول الله صلّى الله عليه وآله الوفاة، دعا العباس بن عبدالمطّلب وأمير المؤمنين، فقال للعباس: يا عمّ محمّد، تأخذ تراث محمّد وتقضي دينه وتنجز عداته؟
فردّ عليه فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إنّي شيخ كثير العيال قليل المال من يطيقك وأنت تباري الريح؟
قال: فأطرق صلّى الله عليه وآله هنيئة، ثمّ قال: يا عباس! أتأخذ تراث محمّد وتنجز عداته وتقضي دينه؟
فقال: بأبي أنت وأمي، إنّي شيخ كثير العيال قليل المال وأنت تباري الريح.
قال: أما إنّي سأعطيها من يأخذها بحقّها.
ثمّ قال: يا علي! يا أخا محمّد! أتنجز عدات محمّد وتقضي دينه وتقبض تراثه؟
فقال: نعم بأبي أنت وأمّي ذاك علي ولي.
قال: فنظرت إليه حتّى نزع خاتمه من أصبعه فقال: تختم بهذا في حياتي.
قال: فنظرت إلى الخاتم حين وضعته في أصبعي فتمنيت من جميع ما ترك الخاتم.
ثمّ صاح: يا بلال! علي بالمغفر والدرع والرّاية والقميص وذي الفقار والسّحاب والبرد والأبرقة والقضيب.
قال: فوالله ما رأيتها غير ساعتي تلك ـ يعني الأبرقة ـ فجيئ بشقة كادت تخطف الأبصار فإذا هي من أبرق الجنّة، فقال: يا علي! إنّ جبرئيل أتاني بها وقال: يا محمّد! إجعلها في حلقة الدّرع واستدفر بها مكان المنطقة.
ثمّ دعا بزوجي نعال عربيين جميعاً أحدهما مخصوف والآخر غير مخصوف، والقميصين: القميص الّذي أسري به فيه والقميص الّذي خرج فيه يوم أحد، والقلانس الثلاث: قلنسوة السفر وقلنسوة العيدين والجمع، وقلنسوة كان يلبسها ويقعد مع أصحابه.
ثمّ قال: يا بلال! علي بالبغلتين: الشهباء والدلدل، والناقتين: العضباء والقصوى والفرسين: الجناح، كانت توقف بباب المسجد لحوائج رسول الله صلّى الله عليه وآله يبعث الرجل في حاجته فيركبه فيركضه في حاجة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وحيزوم وهو الّذي كان يقول: أقدم حيزوم، والحمار عفير فقال: أقبضها في حياتي(3).


(1) سورة مريم، الآية: 5 ـ 6.
(2) يراجع في هذا الخصوص كتاب (مسألة فدك وحديث إنّا معاشر الأنبياء لا نورث) المطبوعة في سلسلة (إعرف الحق تعرف أهله).
(3) الكافي 1 / 236 ـ 237.

مع الأئمّة الهداة في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة (1) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=35&mid=427&pgid=5781