مناقشته

مناقشته
أمّا في المقدّمة الاولى ، فصحيح ما ذكروه في الحبّ والبغض ، فإن المحبوب هو الصّورة الملحوظة خارجيّةً ، إذْ ليس الخارج هو المتعلّق للحكم ، حتى ولو قلنا بتعلّق الحكم بنفس الخارج كما عليه شيخ الإشراق ، لأنّ الخارج ظرف سقوط الحكم لا ثبوته ، لكنّ المهمّ هو الفرق بين « العلم » و« الحب » .
فالمعلوم بالذات هو الصّورة والمعلوم بالعرض هو الخارج ، على عكس الحبّ ، حيث أنّ المحبوب بالذات هو الخارج ، وبالعرض هو الصورة ، فالمصدر للحبّ هو الخارج ، أمّا العلم فهو عبارة عن الكشف ، والصّورة هي الكشف لمن حصل له العلم ، ويشهد بما ذكرنا صحّة قولك : اُحبّ الحسين الخارجي وأكره يزيد الخارجي ، ولا يصح أن تقول : بما أن الشيء الفلاني في الخارج فأنا عالم به .
وإذْ ظهر الفرق بين العلم والحبّ ، فإن من يلحظ المقسم باللّحاظ الثانوي في الانقسامات اللاّحقة للحكم من حيث غرضه ، يكون حبّه تابعاً للغرض لكونه معلولاً له ، وحينئذ يجتمع الحكمان ويعود المحذور .
فإنْ قلتم : لا يتبعه .
قلنا : فإذن ، يوجد الغرض . وهذا هو التصويب .
والحاصل : عدم تماميّة المقدمة الاولى ، للزوم الاجتماع في مشكوك الحكم ، في مرحلة الإرادة والكراهة ، ومن المعلوم أن الوجوب والحرمة ظلاّن للإرادة والكراهة فيلزم الاجتماع بين الحكمين .
هذا في المقدّمة الاولى .
وأمّا المقدّمة الثانية ، وملخّص ما ذكر هو : أنّ مركب الحكم في الواقع مجرّد عن العلم والشكّ ، وأمّا في الظاهر فمخلوط من العلم والشك ، فلا يلزم الاجتماع بينهما لكونهما متباينين .
وفيه : إنّ هذا التباين صحيح في اللّحاظ ، أمّا في الملحوظ فلا .
وتوضيحه : إنّ اللّحاظات متباينة بالضرورة ، فالمولى يلحظ الخمر ويرتّب الحكم الواقعي وهو الحرمة عليه ، لكنّه لمّا يأتي بحكم الإباحة ، فإنه يراه مشكوك الخمريّة ، فاللحاظ مختلف والحكم كذلك ، وإذْ يوجد التباين فلا يلزم الاجتماع أصلاً .
لكنّ الأمر بالنسبة إلى الملحوظين ليس كذلك ، فإنّ موضوع الحكم الواقعي إذا كان مجرّداً عن العلم والشك ، فهو لا بشرط ، أي لا بشرط حتى بالنسبة إلى التجرّد ، فيكون من اللاّبشرط المقسمي ، ومن المعلوم أن اللاّبشرط المقسمي يجتمع مع القسم بحكم البرهان .
مثلاً : عندما يرى الخمر ويعلم أن في الخمر مفسدة ، فهل يرى المفسدة في حال كون المائع مشكوك الخمريّة ؟ يقول : نعم . إذن يوجد الغرض في مشكوك الخمر ، وعليه ، فالحكم بالحرمة موجود في الواقع بالنسبة إلى الخمر المجرّد عن كلّ قيد حتى التجرّد ، والخمر المجرد عن القيد والتجرّد يجتمع مع القيد ، فيلزم الاجتماع ، لأن اللاّبشرط القسمي أو المقسمي يجتمع مع القسم .
هذا ، ومع وجود الغرض الواقعي في المشكوك ، يترتّب الحكم لكونه معلولاً للغرض ، ولكنّ هذا الحكم لا يأتي بالدليل الأوّلي ، فلابدّ من الدليل الثانوي ، لأنّ الإهمال محال ، والتقييد بحال العلم غير صحيح لاشتراك الأحكام بين العالمين والجاهلين ـ فالحكم موجود في حال الشك ، غير أن مصلحة التسهيل تزاحم جعل الحرمة في حال الشك على مبنى المحقق الفشاركي ـ فيجعل الحكم الظاهري .
وبعبارة اخرى : فإنّ العلم والإرادة والحبّ والبغض والوجوب والحرمة ... كلّ هذه مفاهيم ذات تعلّق ، وكلّ مفهوم كذلك ـ سواء كان حقيقياً أو اعتباريّاً ـ لا يتحقّق إلاّ بمتعلّقه ، إلاّ أنّ بين « العلم » و« الحبّ » فرقاً في كيفيّة التعلّق كما عرفت . هذا من جهة .
ومن جهة ، فإنّ الموضوع عندما يلحظ باللّحاظ الأوّلي ، فلابدّ أن يكون مجرّداً عن الحكم ، إذ الحاكم يلحظ صلاة الجمعة مثلاً مجرّدةً من كلّ شيء ، ثمّ يحكم بوجوبها ، فالصّلاة والوجوب مثلاً ليسا في مرتبة واحدة وإنْ كانا معاً زماناً ، أمّا باللّحاظ الثانوي ، فيراها منقسمةً مثلاً إلى صلاة الجمعة الواجبة والمشكوكة .
إلاّ أنّ لحاظ الصّلاة مجرّدة عن الحكم في اللّحاظ الأوّل ، لا يعني عدم لحاظ الغرض من الحكم ، لأن الحكم فعل اختياري يدور مدار التصوّر والتصديق بفائدته ، وذلك يكون في المرتبة السابقة على الحكم ، فالغرض ملحوظ في تلك المرتبة ، ولمّا كان من الامور التكوينيّة فلا يعقل كونه مهملاً ، فإمّا هو قائم بصلاة الجمعة حتى مع الشك في وجوبها ، فالحكم يكون مطلقاً ، وإمّا هو قائم بالصّلاة حتى مع الشك في وجوبها ، فالحكم يكون مطلقاً ، وإمّا هو قائم بالصّلاة غير المشكوك في وجوبها ، فالإطلاق محال ، غير أنّ إفادة الإطلاق والتقييد هنا يكون بنتيجة الإطلاق ونتيجة التقييد .
وإذا ثبت وجوب صلاة الجمعة ، ولكنّ الغرض يستحيل أنْ يكون مهملاً ، وهو قائم بطبيعة صلاة الجمعة ، فلا محالة يلزم اجتماع الضدّين في الصّلاة المشكوك في وجوبها ، فإمّا يتقيّد الغرض ، وهذا تصويب ، وإمّا لا يتقيّد فيلزم الاجتماع .
فالحاصل : إنه لو قيل بعدم الإطلاق في الغرض ، فالحكم كذلك غير مطلق ، فهو مقيّد بغير مشكوك الحكم ، وهذا تصويب ، وإن قيل بإطلاق الغرض ولا إطلاق للحكم ، لزم تخلّف المعلول عن العلّة وهو محال ، فيبقى الشق الثالث : وهو تبعيّة الحكم للغرض ، فمع تبعيّته له وإطلاقه يلزم اجتماع الحرمة الواقعيّة مع الحليّة الظاهرية ، وهذا اجتماع للضدّين .
هذا كلّه أوّلاً .
وثانياً : التباين بين لحاظ صلاة الجمعة المعلومة الوجوب ولحاظ صلاة الجمعة المشكوك وجوبها متحقّق ، فيجتمع الحكمان ، ولكنّ النسبة بين الملحوظين هي العموم المطلق ، فيلزم اجتماع الإرادة والكراهة بحسب الملحوظ في الشيء الواحد ، فيعود الإشكال .

تحقيق الاُصول (5) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=34&mid=418&pgid=5527