إشكال السيد الخوئي

إشكال السيد الخوئي
قال السيّد الخوئي : أمّا ما ذكره من المقدّمة الاولى فهو تام .
وأمّا ما ذكره في المقدّمة الثانية من أنّ : استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق ، فهو غير تام ، لأنّ التقابل بينهما وإن كان من تقابل العدم والملكة ، لأن الإطلاق عبارة عن عدم التقييد فيما كان قابلاً له ، إلاّ أنه لا يعتبر في التقابل المذكور القابليّة في كلّ مورد بشخصه ، بل تكفي القابليّة في الجملة . ألا ترى : أن الإنسان غير قابل للاتصاف بالقدرة على الطيران مثلاً ، ومع ذلك يصح اتصافه بالعجز عنه فيقال : هو عاجز عن الطيران ، وليس ذلك إلاّ لكفاية القابليّة في الجملة ، وأن الإنسان قابل للاتصاف بالقدرة في الجملة وبالنسبة إلى بعض الأشياء ، وإنْ لم يكن قادراً على خصوص الطيران .
وفي المقام ، حيث أن تقييد الحكم بالعلم به مستحيل ، لما عرفت من استلزامه الدور ، وتقييده بالجهل به أيضاً محال ، لاستلزامه الدور كذلك ، فيكون مطلقاً بالنسبة إلى العلم والجهل لا محالة في الجعل الأوّلي ، بلا حاجة إلى متمّم الجعل ، وإذا كان كذلك وقطع به المكلّف ، يستحيل منعه عن العمل بقطعه ، لاستلزامه اجتماع الضدّين اعتقاداً مطلقاً ، ومطلقاً في صورة الإصابة .
قال :
وقد ظهر بما ذكرناه فساد ما ذكره من صحّة أخذ القطع بالحكم في موضوعه شرطاً أو مانعاً بتتميم الجعل ، لأنه متوقف على كون الجعل الأولي بنحو الإهمال . وقد عرفت كونه بنحو الإطلاق .
وأمّا ما ذكره من أن العلم مأخوذ في الحكم في موارد الجهر والإخفات والقصر والتمام .
ففيه : إن الأمر ليس كذلك ، إذ غاية ما يستفاد من الأدلّة هو إجزاء أحدهما عن الآخر ، وإجزاء التمام عن القصر عند الجهل بالحكم ، لا اختصاص الحكم بالعالم ، فإن اجتزاء الشارع ـ في مقام الامتثال بالجهر في موضع الإخفات أو العكس ـ لا يدلّ على اختصاص الحكم بالعالم . ويدلّ عليه أن العنوان المذكور في الرواية هو الجهر فيما ينبغي فيه الإخفات أو الإخفات فيما ينبغي فيه الجهر . وهذا التعبير ظاهر في ثبوت الحكم الأوّلي للجاهل أيضاً . ويؤيّده تسالم الفقهاء على أن الجاهل بالحكمين مستحق للعقاب عند المخالفة فيما إذا كان جهله عن تقصير ، فإنه على تقدير اختصاص الحكم بالعالم ، لا معنى لكون الجاهل مستحقّاً للعقاب .
وأما ما ذكره من ثبوت المنع عن العمل بالقطع الحاصل من القياس برواية أبان ، ففيه :
أولاً : إن رواية أبان ضعيفة السند ، فلا يصح الاعتماد عليها .
وثانياً : إنه لا دلالة لها على كونه قاطعاً بالحكم . نعم يظهر منها كونه مطمئناً به ، حيث قال : « كنا نسمع ذلك بالكوفة ، ونقول إن الذي جاء به شيطان » .
وثالثاً : إنه ليس فيها دلالة على المنع عن العمل بالقطع على تقدير حصوله لأبان ، فإن الإمام عليه السّلام قد أزال قطعه ببيان الواقع ، وأن قطعه مخالف له ، وذلك يتفق كثيراً في المحاورات العرفيّة أيضاً ، فربما يحصل القطع بشيء لأحد ، ويرى صاحبه أن قطعه مخالف للواقع ، فيبين له الواقع ، ويذكر الدليل عليه ، ليزول قطعه أي جهله المركب ، لا للمنع عن العمل بالقطع على تقدير بقائه(1) .


(1) مصباح الاصول 2 / 59 ـ 60 .

تحقيق الاُصول (5) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=34&mid=417&pgid=5446