توهّمٌ ودفع

توهّمٌ ودفع
وذكر الميرزا أنه قد توهّم بعضهم أن النزاع في المقام إنما يجري في خصوص مخالفة القطع بالواقع المفروض عدم إصابته ، وأمّا مخالفة الطرق الشرعيّة ، فلا يجري فيها النزاع ; لعدم الإشكال والريب في استحقاق العقاب على مخالفتها ، وإن كانت غير مصيبة للواقع .
ومنشؤ هذا التوهّم هو تخيّل أنّ مخالفة الطرق الشرعيّة إنّما هي مخالفة الأحكام الظاهريّة المجعولة من قِبَل المولى ، فلا محالة يترتّب عليها استحقاق العقاب وإن لم يكن هناك أحكام واقعيّة في مواردها ، وهذا بخلاف القطع ; فإنّ مخالفته في صورة عدم المصادفة لا يكون مخالفةً لحكم واقعي ولا ظاهري ، فيقع النزاع في أنّ المخالفة الاعتقاديّة التخيّلية هل يترتّب عليها ما يترتّب على المخالفة الواقعيّة أم لا ؟
وأنت بعدما عرفت أنّ المجعول في موارد الطرق الشرعيّة ليس هي الأحكام البعثيّة أو الزجريّة ، وإنّما هو نفس صفة الطريقيّة والكاشفيّة من دون استتباعها لحكم شرعيّ ، تعرف أنّ حال مخالفة الطريق الوجداني حال الطريق الجعلي بعينها ، من دون فرق بينهما أصلاً ، وعليه ، يكون محلّ النزاع في المقام أعمّ من مخالفة القطع الوجداني والأمارات أو الاُصول ، حتى أصالة الإحتياط في موارد العلم الإجمالي أو غيرها .
وبالجملة ، مخالفة مطلق المنجّز للحكم ـ على تقدير انكشاف عدم ثبوته في الواقع ـ يكون محلّ الكلام في المقام(1) .
وقال السيّد الخوئي :
إن بحث التجري لا يختصّ بالقطع ، بل يعمُّ جميع الأمارات المعتبرة والاصول العمليّة ، بل يعمّ كلّ منجز للتكليف ولو كان مجرّد احتمال ، كما في موارد العلم الإجمالي بالتكليف ... .
فإن الإقتحام في بعض الأطراف داخل في التجرّي ، وإن لم يكن فيه إلاّ احتمال المخالفة للتكليف ، وكذا الحال في الشبهات البدوية قبل الفحص .
والجامع بين الجميع هو مخالفة الحجة ، أي ما يحتج به المولى على العبد ، فلو ثبت كون مائع خمراً بالبينة أو الاستصحاب ، وشربه ، ولم يكن في الواقع خمراً ، كان متجرّياً . ولو احتمل كون شيء حراماً وارتكبه قبل الفحص ، وانكشف عدم كونه حراماً ، كان متجرّياً ، وهكذا . فذكر القطع ليس لاختصاص التجري به ، بل إنما هو لكونه أظهر الحجج وأوضح المنجزات .
وربما يتوهم عدم جريان التجرّي في موارد الأمارات والاصول العملية الشرعية ، والجامع هو الحكم الظاهري ، بدعوى أن الأحكام الظاهرية مجعولة في ظرف الجهل بالواقع ، فبكشف الخلاف ينتهي أمدها وتنتفي بانتفاء موضوعها ، لا أنه يستكشف به عدم ثبوت الحكم من الأول ، فيكون بمنزلة انقلاب الخمر خلاًّ ، فكما أنه إذا انقلبت الخمر خلاًّ تنتفي الحرمة من حين الانقلاب بانتفاء موضوعها، لا أنه بعد الانقلاب يستكشف أنه لم يكن حراماً من الأول ، كذلك الحال في الأحكام الظاهرية ، حيث أن موضوعها الجهل بالواقع ، فبكشف الواقع تنتفي بانتفاء موضوعها ، فلا يتصور كشف الخلاف في نفس الحكم الظاهري ، فتكون مخالفته العصيان دائماً لا التجرّي .
وهذا التوهم فاسد من أساسه ، إذ هو مبني على القول بالسّببية ، وأن المجعول في مورد الطرق والأمارات هي الأحكام ، وهو فاسد ، لاستلزامه التصويب الباطل . والصحيح أن المجعول في باب الطرق والأمارات هو الحجيّة والطريقيّة فقط ، على ما سيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى(2) .
وكذا جاء في كلام السيّد الصدر ، قال :
موضوع هذا البحث أن أيّ تكليف يتنجّز على المكلّف ، سواء كان بمنجّز عقلي كما في موارد القطع والاحتمال المنجز ، أو شرعي ، كما في الأمارات والاصول المنجزة ... وقد يتوهّم عدم شمول هذا البحث موارد الحكم الظاهري ... ولكنّ هذا التوهّم باطل ...(3) .


(1) أجود التقريرات 3 / 42 .
(2) مصباح الاصول: 18 ـ 19 .
(3) بحوث في علم الاصول 4 / 35 .

تحقيق الاُصول (5) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=34&mid=416&pgid=5304