تنبيهان

تنبيهان
بقي التنبيه على أمرين :
الأول :
قد أنكر المحقق الإيرواني أن يكون وجوب العمل على طبق القطع بالحكم الشرعي من المدركات العقليّة ، وإنما يدرك العقل حسن الطاعة وقبح المعصية ، فإذا أدرك ذلك تحرّك عملاً على الطّاعة واستخدم قواه في سبيل تحقّقها ، فالحركة الخارجية أثر لدركه حسن الطاعة وقبح المعصية ، ولو قلنا بأن له دركاً آخر ـ علاوةً على درك حسن الطاعة ـ هو عبارة عن وجوب العمل خارجاً على طبق القطع ، لزم التسلسل ، لأنّ وجوب العمل على طبق القطع حكمٌ ، فيقال : هل هو حكم مشكوك فيه أو مظنون أو مقطوع به ؟ المفروض كونه مقطوعاً به ، فيتولّد حكم عقلي بوجوب العمل على طبق هذا الحكم المقطوع به ، وهل هذا الوجوب مشكوك فيه أو مظنون أو مقطوع به ؟ وهكذا .
والحاصل : إنه ليس إلاّ درك العقل حسن الطّاعة وقبح المعصية ، أمّا وجوب العمل على طبق المقطوع به فلا(1) .
ولهذا الرأي أثر في المباحث ، فقد تقرّر ـ مثلاً ـ أنّ الأمر بالطاعة في قوله تعالى ( أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي اْلأَمْرِ مِنْكُمْ )(2) وأمثاله إرشاد إلى حكم العقل بوجوب إطاعة المولى ، فالعلماء يقولون بوجود الحكم العقلي بوجوب الطاعة ، أمّا بناءً على نظرية هذا المحقق ، فلا حكم للعقل إلاّ بحُسن الطّاعة ، فتكون الآية إرشاداً إلى هذا المعنى فقط ، فلا تدلّ هيئة إفعل على الأمر .
فنقول :
قد ذكر جماعة من الأعلام أن لا مُدرَك من العقل إلاّ حسن الطّاعة وقبح المعصية ، ومجرّد ذلك لا يكفي لحمل الإنسان على الحركة خارجاً ، لأنّ العمل الحسن في العالم كثير ، ومجرّد درك حسن العمل لا يكفي للحكم بوجوبه على طبق المدرك ، إلاّ إذا وصل إلى حدّ المنجّزية ـ أي استحقاق العقاب على المخالفة ـ ففي هذه الحالة يوجد الحكم العقلي بلزوم الحركة ، فتلخّص : أن الصحيح تفرّع الحركة الخارجية على احتمال استحقاق العقاب والمؤاخذة على المخالفة ، ومن هنا جاء الحكم العقلي الإرتكازي بوجوب دفع الضرر المحتمل .
وأمّا ما ذكره من استلزام القول بوجود الحكم العقلي بوجوب الطاعة للتسلسل ، ففيه :
إنه إن كان موضوع استحقاق العقاب مطلق الحكم ـ أي سواء كان الحكم العقلي أو الشرعي بعد قيام القطع ـ تمّ كلامه ، لأنّ وجوب العمل بالقطع حكمٌ عقلي تعلّق به القطع ، فهو موضوع للزوم الحركة قطعاً بحكم العقل ، فيلزم التسلسل ، لكنّ الصحيح أنّ الموضوع له هو حكم المولى الحقيقي ، والعقل يدرك استحقاق العقاب على مخالفته ولا حكم للعقل بذلك ، فلا يلزم التسلسل ، لأنّ موضوع وجوب العمل هو حكم المولى وكلّ حكم من بعده بذلك فهو من العقل ، والمفروض أنه ليس بحكم بل هو درك بلزوم استحقاق العقاب على مخالفة حكم المولى المقطوع به .
الأمر الثاني :
قد عرفت أن «الحجة» في اصطلاح الاصولي يختلف عنه في الاصطلاح المنطقي ، وقد أفاد الشيخ رحمه اللّه أنه لا يطلق « الحجة » على « القطع » بالإصطلاح المنطقي ، لعدم وقوعه بهذا المعنى وسطاً في القياس ، فليس لمن قطع بوجوب الصّلاة إلاّ أن يقول : الصّلاة واجبة ، وأمّا أن يقول : الصّلاة مقطوع بوجوبها ، وكلّ ما قطع بوجوبه فهو واجب ، فالصلاة واجبة ، فلا ، بخلاف باب الأمارات ، فإنّ « الحجة » بالإصطلاح المنطقي يقع وسطاً فيها ، فيقال مثلاً : هذا ما قام خبر الثقة على وجوبه ، وكلّ ما قامت الحجة على وجوبه فهو واجب ، فهذا واجب .


(1) حاشية الكفاية 2 / 410 .
(2) سورة النساء : 59 .

تحقيق الاُصول (5) تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني)

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=34&mid=415&pgid=5302