وأمّا الحديث عن مسروق بن الأجدع عن عائشة

وأمّا الحديث عن مسروق بن الأجدع عن عائشة:
ففيه:
1 ـ «أبو وائل» وهو «شقيق بن سلمة» يرويه عن «مسروق» وقد قال عاصم بن بهدلة: «قيل لأبي وائل: أيّهما أحبّ إليك: عليّ أو عثمان؟ قال: كان عليّ أحبّ إليّ ثم صار عثمان!!»(1).
2 ـ «نعيم بن أبي هند» يرويه عن «أبي وائل» عند النسائي وأحمد بن حنبل. و«نعيم» قد عرفته سابقاً.
ثمّ إنّ في إحدى طريقي أحمد عن «نعيم» المذكور: «شبابة بن سوار» وقد ذكروا بترجمته أنّه كان يرى الإرجاء ويدعو إليه، فتركه أحمد وكان يحمل عليه، وقال: أبو حاتم: لا يحتجّ بحديثه(2) وقد أورده السيوطي في الفائدة المذكورة، وحكى ابن حجر في ترجمته ما يدلّ على بغضه لأهل بيت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم(3).
هذا، ويبقى الكلام في عائشة نفسها . . .
فقد وجدناها تريد كلّ شأن وفضيلة لنفسها وأبيها ومن تحبّ من قرابتها وذويها . . . فكانت إذا رأت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يلاقي المحبّة من إحدى زوجاته ويمكث عندها غارت عليها . . . كما فعلت مع زينب بنت جحش، إذ تواطأت مع حفصة أن أيّتهما دخل عليها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلتقل: «إنّي لأجد منك ريح مغافير حتّى يمتنع عن أن يمكث عند زينب ويشرب عندها عسلاً»(4).
وإذا رأته يذكر خديجة عليها السلام بخير ويثني عليها قالت: «ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق؟! قد أبدلك اللّه عزّ وجلّ بها خيراً منها . . .»(5).
وإذا رأته مقدماً على الزواج من امرأة حالت دون ذلك بالكذب والخيانة، فقد حدّثت أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أرسلها لتطلّع على امرأة من كلب قد خطبها فقال لعائشة: «ما رأيت؟ فقالت: ما رأيت طائلاً! فقال لها رسول اللّه: لقد رأيت طائلاً، لقد رأيت خالاً بخدّها اقشعرَّت كلّ شعرة منك. فقالت: يا رسول اللّه ما دونك سرّ»(6).
ولقد ارتكبت ذلك حتّى بتوهّم زواجه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . . . فقد ذكرت: أنّ عثمان جاء النبي في نحر الظهيرة فظننتُ أنّه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه . . .»(7).
أمّا بالنسبة إلى مَن تكرهه . . . فكانت حرباً شعواء . . . من ذلك مواقفها من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام . . . فقد «جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار رضي اللّه تعالى عنهما عند عائشة. فقالت: أمّا عليّ فلستُ قائلةً لك فيه شيئاً، وأمّا عمّار فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم يقول: لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما»(8).
بل كانت تضع الحديث تأييداً ودعماً لجانب المناوئين له عليه السلام . . . فقد قال النعمان بن بشير: «كتب معي معاوية إلى عائشة قال: فقدمت على عائشة فدفعت إليها كتاب معاوية. فقالت: يا بُني ألا أُحدّثك بشيء سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم؟
قلت: بلى.
قالت: فإنّي كنت أنا وحفصة يوماً من ذاك عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله [وسلّم.
فقال: لو كان عندنا رجل يحدّثنا.
فقلت: يا رسول اللّه، ألا أبعث لك إلى أبي بكر؟ فسكت.
ثمّ قال: لو كان عندنا رجل يحدّثنا.
فقالت حفصة: ألا أُرسل لك إلى عمر؟ فسكت.
ثمّ قال: لا. ثم دعا رجلاً فسارّه بشيء، فما كان إلاّ أن أقبل عثمان، فأقبل عليه بوجهه وحديثه، فسمعته يقول له: يا عثمان، إنّ اللّه عزّ وجل لعلّه أن يقمصك قميصاً، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرار.
قال: فقلت: يا أُمّ المؤمنين، فأين كنتِ عن هذا الحديث؟!
فقالت: يا بُني، واللّه لقد أُنسيته حتّى ما ظننت أنّي سمعته»(9).
قال النعمان بن بشير: «فأخبرته معاوية بن أبي سفيان. فلم يرض بالذي أخبرته، حتّى كتب إلى أُمّ المؤمنين أنْ اكتبي إليَّ به. فكتبت إليه به كتاباً»(10).
فانظر كيف أيّدت ـ في تلك الأيّام ـ معاوية على مطالبته الكاذبة بدم عثمان! وكيف اعتذرت عن تحريضها الناس على قتل عثمان! ولا تغفل عن كتمها اسم الرجل الذي دعاه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ـ بعد أنْ أبى عن الإرسال خلف أبي بكر وعمر ـ وهو ليس إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام . . . ولكنّها لا تطيب نفساً بعليّ كما قال ابن عبّاس، وسيأتي.
فإذا كان هذا حالها وحال رواياتها في الأيّام العادية . . . فإنّ من الطبيعي أن تصل هذه الحالة فيها إلى أعلى درجاتها في الأيام والساعات الأخيرة من حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وأنْ تكون أخبارها عن أحواله في تلك الظروف أكثر حسّاسية . . . فتراها تقول:
«لمّا ثقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم لعبدالرحمن بن أبي بكر: إئتني بكتف أولوح حتّى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه. فلمّا ذهب عبدالرحمن ليقوم قال: أبى اللّه والمؤمنون أن يُختلف عليك يا أبا بكر»(11).
وتقول:
«لمّا ثقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم جاء بلال يؤذنه بالصلاة. فقال: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس . . .»(12).
وتقول:
«قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم ورأسه بين سحري ونحري . . .»(13).
تقول هذا وأمثاله . . .
لكن عندما يأمر صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنْ يدعى له عليٌّ لا يمتثل أمره، بل يقترح عليه أنْ يدعى أبو بكر وعمر! يقول ابن عبّاس:
«لمّا مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: ادعوا لي عليّاً. قالت عائشة: ندعو لك أبا بكر؟ قال: ادعوه قالت حفصة: يا رسول اللّه، ندعو لك عمر؟ قال ادعوه. قالت أُمّ الفضل: يا رسول اللّه، ندعو لك العبّاس؟ قال: ادعوه. فلمّا اجتمعوا رفع رأسه فلم ير عليّاً. فقال عمر: قوموا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم . . .»(14).
وعندما يخرج إلى الصلاة ـ وهو يتهادى بين رجلين ـ تقول عائشة: «خرج يتهادى بين رجلين أحدهما العبّاس» فلا تذكر الآخر. فيقول ابن عبّاس: «هو عليٌّ ولكن عائشة لا تقدر على أن تذكره بخير»(15).
فإذا عرفناها تبغض عليّاً إلى حدٍّ لا تقدر أن تذكره بخير، ولا تطيب نفسها به . . . وتحاول إبعاده عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . . . وتدّعى لأبيها ولنفسها ما لا أصل له . . . بل لقد حدّثت أُمّ سلمة رضي اللّه عنها بالأمر الواقع فقالت:
«والذي أحلف به، إن كان عليٌّ لأقرب الناس عهداً برسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم. قالت: عدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم غداة بعد غداة يقول: جاء عليٌّ؟!! ـ مراراً ـ قالت: وأظنّه كان بعثه في حاجة قالت: فجاء بعدُ، فظننت أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند الباب، فكنت من أدناهم إلى الباب، فأكبَّ عليه عليٌّ فجعل يسارّه ويناجيه، ثمّ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه ]وآله[ وسلّم من يومه ذلك، فكان أقرب الناس به عهداً(16).
إذا عرفنا هذا كلّه ـ وهو قليل من كثير ـ استيقنّا أنّ خبرها: في أنّ صلاة أبيها كان بأمر من النبي صلّى اللّه عليه وآله، وأنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خرج فصلّى خلفه ـ كما في بعض الأخبار عنها ـ . . . من هذا القبيل . . . وممّا يؤكّد ذلك اختلاف النقل عنها في القضية وهي واحدة . . . كما سنرى عن قريب . . ..
(1) تهذيب التهذيب 4 / 329.
(2) تهذيب التهذيب 4 / 274، تاريخ بغداد 9 / 298.
(3) تهذيب التهذيب 4 / 275.
(4) هذه من القضايا المشهورة فراجع كتب الحديث والتفسير بتفسير سورة التحريم.
(5) مسند أحمد 7 / 170 حديث عائشة الرقم 24343.
(6) طبقات ابن سعد 8 / 127، كنز العمّال 12 / 188 كتاب الفضائل باب فضائل النبي الرقم 35455.
(7) مسند أحمد 7 / 165 حديث عائشة الرقم 24316.
(8) مسند أحمد 7 / 163 حديث عائشة الرقم 24299.
(9) مسند أحمد 7 / 214 ـ 215 حديث عائشة الرقم 24636.
(10) مسند أحمد 7 / 127 حديث عائشة الرقم 24045.
(11) مسند أحمد 7 / 71 حديث عائشة الرقم 23679.
(12) مسند أحمد 7 / 319 حديث عائشة الرقم 25348.
(13) مسند أحمد 7 / 175 حديث عائشة الرقم 24384.
(14) مسند أحمد 1 / 588 مسند عبداللّه بن عباس الرقم 3345.
(15) عمدة القاري 5 / 192.
(16) مسند أحمد 7 / 426 حديث أم سلمة الرقم 2605، تاريخ دمشق 45 / 301، المستدرك على الصحيحين 3 / 149 كتاب معرفة الصحابة، مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الرقم 4671، الخصائص 216 ذكر أحدث الناس عهداً برسول اللّه الرقم 155.

الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنة تأليف: (آية الله السيد علي الحسيني الميلاني (دام ظله))

تم السحب من: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=25&mid=296&pgid=3643