الإشكال على الشهيدين

الإشكال على الشهيدين
قال الشيخ:
ويشكل ما ذكراه: بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسّك بإطلاق نحو (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) وإطلاقات أدلّة سائر العقود في مقام الشكّ في اعتبار شيء فيها، مع أنّ سيرة علماء الإسلام التمسّك بها في هذه المقامات.
أقول:
وجه الإشكال في عدم جواز التمسّك بإطلاق قوله تعالى (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) ونحوه في مقام الشّك في دخل شيء وجوداً أو عدماً واضح، لأنه إذا كان موضوعاً للصحيح المؤثّر، كان مجرّد احتمال دخل الشيء كافياً للشك في صدق عنوان «البيع» على ما وقع، وحينئذ، لا يحرز الموضوع، فكيف يتمسّك بالآية و يرتّب الأثر على البيع ويحكم بحلّيته؟
ثم ذكر وجهاً لما ذهب إليه الشهيدان، والوجه لتمسّك العلماء بالإطلاقات كما سيأتي.
وأقول: إنّ «الصحيح» قد يطلق في مقابل المعيب، وقد يطلق في مقابل السّقيم،وقد يطلق في مقابل الفاسد، وربما يقال الصحيح في مقابل الناقص، فيراد منه الكامل، والمراد منه في قبال الفاسد ـ ولعلّه في غيره أيضاً ـ هو ما يترتّب عليه الأثر المترقّب منه، فيكون الفاسد ما لا يترتّب عليه الأثر المذكور، فالموصوف بالصّحة والفساد يكون بالضرورة ممّا يمكن انفكاك الأثر منه، فأمّا ما لا ينفك عنه الأثر، فلا يعقل أن يوصف بالصحّة تارةً وبالفساد اخرى.
وعلى ما ذكرنا، فإنه إن كان تعريف البيع مبادلة مال بمال، فإنّ المبادلة يدور أمرها بين الوجود والعدم ولا تتّصف بالصحّة والفساد، وكذلك بناءً على أنه تمليك عين بمال، لأنّه إمّا حاصل وإمّا لا، ولايمكن أنْ يقال: تمليك ولا ملكيّة، لأنّ النسبة بينهما نسبة الإيجاد والوجود، فالحقيقة واحدة والإختلاف مفهومي، من جهة تعدّد النسبة، فإذا نسب الأمر إلى الفاعل فهو تمليك، وإذا نسب إلى الشيء فهو ملكيّة، وكذلك الإيجاب والوجوب، ونحو ذلك.
والنسبة بين الصحّة والفساد هي نسبة العدم والملكة، وما يكون أمره دائراً بين الوجود والعدم فالنسبة فيه نسبة السّلب والإيجاب، و«مبادلة مال بمال» و«تمليك عين بمال» من قبيل الثاني لا الأوّل، لأن المبادلة أو التمليك إمّا موجود أو معدوم، فلا يصحّ أن يقال: هل حصلت الملكيّة بعد التمليك أوْ لا؟ لأنّ عدم الملكيّة عدم التمليك لعدم الإنفكاك بينهما.
فإذن، لا مجال للبحث عن أن البيع حقيقة في الصحيح أو الأعم، بناءً على التعريفين المزبورين.
نعم، يصحُّ البحث عن ذلك بناءً على مختار الشيخ في التعريف، لأن إنشاء تمليك عين بمال، قد يؤثّر في الملكيّة وقد لا يؤثر.
ثم إنَّ المشهور ـ والظاهر أن عليه الشيخ أيضاً، ولذا أشكل على التمسّك بالإطلاقات، ثم وجّهه بما سيأتي، وإلاّ لم يكن حاجة إلى ذلك كما سنوضّح ـ أن الملكيّة أمر ثابت في نفس الأمر، وكلّ من نظر العرف والشّرع طريق إليه، فإذا قال الشارع ببطلان البيع الربوي، فقد خطّأ العرف والعقلاء في الطريق إلى ذلك الأمر الواقعي.
ويقابله القول بأنها أمر اعتباري ولا واقعيّة لها أصلاً، وكلّ من بيده الاعتبار إذا اعتبر شيئاً، فإنه يتحقّق في موطن الاعتبار، فإذا اعتبر العقلاء الملكيّة تقرّرت في موطن اعتبارهم، ثم الشارع قد يطابق اعتباره ذلك الاعتبار، فتتحقّق الملكيّة الشرعيّة مطابقةً للملكيّة العقلائيّة، وقد لا يوجد من الشارع الاعتبار المطابق لاعتبارهم، ولا تنتفي الملكيّة حينئذ، لأنّ المفروض وجود الملكيّة الاعتباريّة.
وهذا القول هو الصّحيح.
إنما الإشكال بناءً على قول المشهور، لأنه إذا كان البيع موضوعاً للمؤثر في الملكيّة الواقعيّة ثمّ شكّ في اعتبار العربية مثلاً في عقد البيع، ولا ندري هل العقد الفاقد لها يؤثّر أوْ لا، كان التمسّك بالاطلاقات غير جائز كما تقدّم، بخلاف القول الثاني، فإنه بناءً عليه لا محذور في التمسّك، لأنّ البيع موضوع لإنشاء التمليك المؤثر في الاعتبار العقلائي، والألفاظ موضوعة للمعاني العرفيّة، وعليه، فمعنى الآية المباركة: إنّ كلّ عقد كان مؤثّراً في الملكيّة الاعتباريّة العقلائيّة فهو حلال، فإذا قال: الغرر مفسد للبيع، فقد استثنى البيع الغرري من عموم ما أمضاه، لأنّ مقتضى الإطلاق مؤثّرية كلّ بيع عقلائي، فيكون دليل المنع من البيع الغرري مخصّصاً ويخرج به هذا النوع من تحت العام.
فقول الشيخ: ويشكل ما ذكراه… مبنيٌّ على قول المشهور.
ثم قال الشيخ ما حاصله: البيع بالمعنى المصدري عبارة عن النقل الحاصل من البائع والواقع في حيّز الإنشاء، ويقابله المعنى الإسم المصدري وهو حصول النقل في الخارج، ومراد البائع من قوله بعت هو المعنى على النحو الثاني ولو في نظره، فإنْ طابق الواقع كان صحيحاً وإلاّ فهو فاسد، وأمّا الشارع، فإن كان مؤثّراً في اعتباره كان بيعاً وإلاّ فلا، فبيع الهازل ـ مثلاً ـ ليس ببيع عند العرف، وكذلك لو باع وقصد حصول الملكيّة ولم يؤثّر عند الشّارع ـ كبيع الغرر ـ فهو ليس ببيع.
وعلى هذا، فلا يتوجّه على الشيخ ما أورده بعض الأكابر(1) من أن النقل الإسم مصدري يدور أمره بين الوجود والعدم ولا يتّصف بالصّحة والفساد. وبعبارة أخرى: إذا كان للملكيّة واقعيّة، وكانت مؤثريّة الملكيّة الحاصلة من المصدر في تحقّق الملكيّة الواقعيّة، موجبةً لانطباق عنوان الصحة عليها، وعدم مؤثّريتها في حصولها موجبةً لاتّصافها بالفساد، لم يتوجّه الإشكال عليه.

(1) حاشية المكاسب للمحقق الإصفهاني 1 / 85 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *