سكوت ابن تيميّة و أجوبة الآخرين و الرد عليها

أقول:
أمّا ابن تيمية، فلم يجب على كلام العلاّمة هنا بشيء أصلاً، ولماذا؟
وأمّا غيره ممن سبق ولحق، من المعتزلة والأشاعرة، فقد تحيّروا في توجيه ما كان من عمر في هذا المورد واضطربوا، وقالوا ما كان ترك القول به أفضل وأوقر لهم كما فعل ابن تيمية!
فالقاضي المعتزلي في المغني في الإمامة قال: «هذا لا يصح، لأنه قد روي أنه قال: كيف يموت وقد قال اللّه (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وقال: (لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)، فلذلك نفى موته عليه السلام، لأنه حمل الآية على أنه خبر عن ذلك في حال حياته، حتى قال له أبو بكر: إن اللّه وعده بذلك وسيفعله، وتلا عليه أبو بكر ما تلى، فأيقن عند ذلك بموته، وإنما ظن أن موته يتأخر عن ذلك الوقت لا أنه منع من موته».
وهذا حمل للنصوص على ما لا تحتمله أبداً… .
على أنه لو كان ظاناً تأخر الموت لا منكراً لأصله، فلماذا سكت لمّا تلا عليه أبو بكر ما تلا، وهو لا يدلّ إلا على أصل الموت؟
والسّعد التفتازاني قد أخذ كلام المعتزلي وأورده في الدفاع عن عمر قال:
«ومنها: أنه لم يكن عالماً بالقرآن، حتى شك في موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولم يسكن إليه حتى تلا عليه أبو بكر قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) فقال: كأني لم أسمع هذه الآية.
فالجواب: إن ذلك كان لتشوّش البال واضطراب الحال والذهول عن جليّات الأحوال، أو لأنه فهم من قوله تعالى: (هُوَ الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وقوله: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَْرْضِ) أنه يبقى إلى تمام هذه الأمور وظهورها غاية الظهور.
وفي قوله: كأني لم أسمع، دلالة على أنه سمعها وعلمها لكن ذهل عنها أو حملها على معنى آخر، أي: كأني لم أسمعها سماع اطلاع على هذا المعنى، بل إنه يموت بعد تمام الأمور»(1).
وقد كتبنا في جوابه: إن كلا الوجهين تأويل بارد وتوجيه باطل.
أمّا الأوّل، فلأنه لو كان تشوش باله واضطراب حاله إلى هذا الحدّ بمجرّد سماع قولهم مات النبي، للزم أن يزول عقله بالكليّة لما تحقق عنده موت النبي بقول أبي بكر، لكنه بادر إلى السقيفة مرتاح البال، وجعل يزوّر في نفسه كلاماً ليقوله للأنصار فيخصمهم به، ثم حضرها وفعل هناك ثم خارجها ما فعل، حتى أتم الأمر لأبي بكر.
ثم إن السّعد لم يذكر السبب «لتشوش البال واضطراب الحال والذهول عن جليّات الأحوال»، فإن كان السبب محبة النبي صلّى اللّه عليه وآله والتألّم من فقده، كان اللاّزم أن يكون من جملة الذين تولّوا تجهيز النبي ودفنه، لا المعرضين عن ذلك، الغاصبين لتراثه… .
وأيضاً: لو كان السبب في الإنكار ما ذكر، لما جعل القوم كلام أبي بكر له دليلاً على أعلميّته كما في كلام الكرماني في شرح الحديث في كتاب البخاري: «وفيه فضيلة عظيمة لأبي بكر ورجحان علمه على عمر وغيره»(2).
وقال: «وفيه: فضل علمه ورجاحة رأيه، وفيه دلالة على عظم منزلته عند الصحابة حين مالوا إليه»(3).
وأيضاً: لوكان ما ذكر هو السبب، فلماذا لم يكذّب خبر موته صلّى اللّه عليه وآله يوم أحد؟ قال السيوطي: «أخرج ابن جرير عن القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخي بني عدي بني النجار قال: انتهى أنس بن النصر عمّ أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيد اللّه في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل محمد رسول اللّه. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه، واستقبل القوم فقاتل حتى قتل»(4).
وأمّا الثاني: فلأن المعنى الذي يزعم أنه فهمه من الآيات لا ينافيه الآية: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)، فلماذا سكن حين تلاها أبو بكر عليه ولم يقل له: لا دلالة في الآية على من جوّز بالآيات الموت عليه صلّى اللّه عليه وآله في المستقبل وأنكره في هذه الحال؟
وقال ابن روزبهان في جواب العلاّمة: «واختلفوا في ذلك الحال الذي غلبه حتى حكم بأن النبي لم يمت، فقال بعضهم: أراد أن لا يستولي المنافقون، وخاف أن لو اشتهر موت النبي قبل البيعة لخليفة، تشتّت أمر الإسلام، فأراد أن يظهر القوة والشوكة على المنافقين ليرتدعوا عمّا همّوا به من إيقاع الفتنة والإيضاع خلال المسلمين كما كان دأبهم. وقال بعضهم: كان هذا الحال من غلبة حكم المحبّة، وشدّة المصيبة قلبه كان لا يأذن له أن يحكم بموت النبي، وهذا كان أمر عمّ جميع ا لمؤمنين بعد النبي، حتى جنّ بعضهم وعمي بعضهم من كثرة الهمّ واختلّ بعضهم، فغلب عمر شدّة حال المصيبة فخرج عن حال العلم والمعرفة وتكلّم بعدم موته، وأنه ذهب إلى مناجاة ربه. وأمثال هذا لا يكون طعناً»(5).
ففي هذا الكلام ـ الذي نصّ فيه على قول عمر بأن النبي صلّى اللّه عليه وآله لم يمت، فسقط إنكار القاضي المعتزلي ومن تبعه ـ ذكر توجيهين، أحدهما: الخوف من استيلاء المنافقين، والآخر: غلبة المحبّة وشدّة المصيبة.
وكلاهما بارد باطل.
أمّا الأول: فإن الرجل لمّا سمع الآية من أبي بكر سكت واعتذر قائلاً: كأني لم أسمعها!
وأمّا الثاني، فقد تقدّم الجواب عنه.
ولكن ما ذكره ابن روزبهان أوّلاً عن بعضهم هو ما أشرنا إليه سابقاً من الإحتمال الثالث، فإنه خاف من استيلاء غير أبي بكر وحزبه ـ وهو منهم ـ وليس المقصود أهل النفاق في المدينة، بل أهل الولاية لأمير المؤمنين عليه الصّلاة والسلام، فأراد أن لا يطّلع الناس على موت النبي صلّى اللّه عليه وآله، حتى لا يجتمعوا فيبايعوا علياً عليه السلام كما عاهدوا النبي على ذلك.
وعلى الجملة، فإن موقف عمر بن الخطاب بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وآله من المؤمنين التابعين للنبي وأمير المؤمنين، هو نفس موقفه منهم لمّا بلغه عنهم يقولون: «كانت بيعة أبي بكر فلتةً، ولو مات عمر لبايعنا علياً» حيث صعد المنبر وزعم أن هؤلاء يريدون أن يغصبوا المسلمين حقّهم، وهدّد بقتل المبايع والمبايع له… .
فالتوجيه الأوّل في كلام ابن روزبهان هو الصحيح، لكنْ لا لئلاّ يستولي المنافقون، بل لئلاّ يستولي المؤمنون، اللهم إلا أن يقصد بـ«المنافقون» أصحاب أمير المؤمنين ـ والعياذ باللّه ـ كعمّار والمقداد وأبي ذر وسلمان وأمثالهم من الأخيار، وقد كان الزبير وآخرون مع هؤلاء أيضاً في ذلك الوقت!

(1) شرح المقاصد 2 / 294.
(2) الكواكب الدراري، فضائل عمر 4 / 210.
(3) الكواكب الدراري ـ شرح صحيح البخاري، كتاب الجنائز 7 / 53 .
(4) الدر المنثور 2 / 81 .
(5) انظر: دلائل الصدق 3 / 126.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *